ميسون يوسف نزال.. الكاتبة الفلسطينية: أكتب لأجعل القارئ يرى ما لا تلتقطه الكاميرا

 

حوارات مع المبدعين

ميسون يوسف نزال.. الكاتبة الفلسطينية: أكتب لأجعل القارئ يرى ما لا تلتقطه الكاميرا

حاورها: كمال الحجامي

تؤمن الكاتبة الفلسطينية ميسون يوسف نزال بأن الأدب ليس ترفًا جماليًا، بل فعل مقاومة وحفظ للذاكرة الإنسانية، وأن الكلمة الصادقة قادرة على اختراق أكثر الجدران صلابة. فمنذ طفولتها المبكرة بدأت رحلتها مع الكتابة، متنقلة بين القصة والنثر والخاطرة والمقال، وصولًا إلى التجارب الأدبية الحديثة، لتصوغ مشروعًا إبداعيًا يستند إلى التجربة الإنسانية والقضية الفلسطينية معًا.

ولدت نزال في مدينة جنين عام 1977، وترعرعت في الجمهورية الجزائرية بعد تهجير أسرتها من فلسطين، وأكملت دراساتها العليا في علم الأحياء الدقيقة (الميكروبيولوجيا) بجامعة السانية في وهران، غير أن شغفها بالأدب ظل رفيقها الدائم، فأصدرت أعمالًا مشتركة، وكتابًا إلكترونيًا بعنوان «قصائد منسية»، وكتبت في معظم الأجناس الأدبية باستثناء الشعر العمودي الموزون.

في هذا الحوار، تفتح ميسون يوسف نزال نوافذ تجربتها الإبداعية، وتستعرض رؤيتها للنص التعبيري، وقصيدة النثر، وأدب الطفل، ومستقبل الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي.


النص التعبيري أصبح قلب الأدب المعاصر… كيف تنظرين إلى حضوره في المشهد الثقافي؟

أرحب بكم أولًا، وأشكر لكم هذا الحوار الثقافي الذي يتيح مساحة لتبادل الرؤى والأفكار.

أعتقد أن النص التعبيري اليوم أصبح القلب النابض للأدب؛ فلم تعد البلاغة وحدها هي معيار التأثير، بقدر ما أصبح صدق الإحساس وقدرة النص على الوصول إلى وجدان القارئ. إن الإنسان المعاصر يبحث عمن يترجم وجعه وأسئلته قبل أن يبحث عن الزخرفة اللغوية.

وفي المجال الأدبي يمثل النص التعبيري جسرًا مرنًا بين الكاتب والمتلقي، أما ثقافيًا فهو شكل من أشكال المقاومة الهادئة في مواجهة الجفاف العاطفي الذي فرضته الحياة المتسارعة ووسائل التواصل الاجتماعي.

أما في تجربتي، فأنا أسعى أدبيًا إلى كشف البنية العميقة للعاطفة، وثقافيًا أفضل أن أكون مرآة تعكس آلام الآخرين، لا معلمة تملي عليهم الدروس. والارتقاء بهذا الفن لا يتحقق إلا بصدق الشعور، ودقة الصورة، واحترام وعي القارئ.


كيف تتحرر الجملة الشعرية من القوالب التقليدية؟

التحرر لا يعني الفوضى، بل يعني امتلاك الوعي الكافي لكسر القاعدة عندما تقتضي الضرورة الفنية ذلك. فالنص الحواري أو النثري لا يهدم الإيقاع، وإنما يعيد تشكيله بصورة داخلية تجعل القارئ شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.


قصيدة النثر كثيرًا ما تتعرض للالتباس… كيف تقرئين هذه الإشكالية؟

واجهت في بداياتي صعوبة في كتابة قصيدة النثر، رغم إجادتي للشعر الحر. لكنني اكتشفت أن النثر يتيح مساحة أوسع للوصول إلى القارئ، لأنه يقوم على قوة الصورة والخيال وليس على الوزن والقافية.

قصيدة النثر تقف على خيط رفيع؛ فهي سهلة القراءة، لكنها من أصعب أشكال الكتابة. أما حين تصبح سهلة الكتابة فإنها تفقد قيمتها الفنية.


إلى أي مدى حضرت القضية الفلسطينية في مشروعك السردي؟

القضية الفلسطينية هي الروح التي تسكن معظم نصوصي. كنت دائمًا أبحث عن الزوايا الإنسانية التي لا تلتقطها عدسات الكاميرات، وأحاول أن أمنحها صوتًا أدبيًا.

كتبت قصصًا مستوحاة من تجارب شخصية، كما كتبت نصوصًا عديدة أبرزها “فلسطيني”، الذي ألقاه عدد من الشعراء، إلى جانب أعمال أخرى تناولت تفاصيل الملحمة الفلسطينية المستمرة.


كيف انعكست قيم البطولة والإيثار في كتاباتك؟

لطالما آمنت بأن الأدب يحمل رسالة إنسانية. ومنذ صغري كنت أكتب عن القضايا الاجتماعية والوطنية؛ ففي الثالثة عشرة من عمري نشرت مقالًا عن مخاطر المخدرات في صحيفة جزائرية، ثم شاركت في الثالثة والعشرين بقصة إذاعية عبر الإذاعة الأردنية تناولت معاناة فتاة فلسطينية، وقد تركت أثرًا بالغًا في المستمعين.

لذلك بقيت البطولة والتضحية من الثيمات الأساسية في كتاباتي، لأنها قيم لا تموت ما دام هناك من يقرأها ويعيد إنتاجها.


كانت لك بدايات في أدب الطفل… ماذا أضافت إليك تلك التجربة؟

أدب الطفل كان بوابتي الأولى نحو الكتابة. كنت أمزج بين الواقع والخيال، وأرسم شخصيات قصصي بنفسي، حتى بلغت بعض الأعمال أربعة وستين صفحة.

لم يكن هدفي مجرد الحكاية، بل بناء وعي الطفل بطريقة مبسطة ومؤثرة. ومن بين تلك الأعمال قصة «الأمير الجبان» التي تؤكد أن المكانة لا تصنع الإنسان، وإنما الإرادة والطموح.

وقد انعكست تجربتي الشخصية في تلك القصص؛ إذ تحملت مسؤوليات كبيرة منذ طفولتي بعد تعرض والدتي وشقيقتي لحادث، الأمر الذي جعلني أنضج مبكرًا وأؤمن بأن الإرادة أقوى من الظروف.


كيف تنظرين إلى تجارب الهايكو والنانو والومضة الشعرية؟

أؤمن بأن إحياء التراث لا يتعارض مع التجديد. لذلك خضت تجربة امتدت نحو عشر سنوات في كتابة الهايكو الياباني والنانو والومضة الشعرية، بينما لم أخض تجربة الشعر العامي، وكانت نصوصي الرومانسية محدودة ومرتبطة بمشاركات في مسابقات أدبية.

هدفي كان دائمًا تقريب الأدب من القارئ، لأن التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع التراث، وإنما إعادة تقديمه بروح العصر.


كيف ترين مستقبل الإبداع في ظل الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي فتح آفاقًا واسعة أمام الإنسان، وأصبح قادرًا على تحويل الخيال إلى صورة، لكنه لا يستطيع أن يصنع الروح أو الإحساس الحقيقي.

التقنية أداة مبهرة، لكنها لا تستطيع أن تمنح النص نبضه الإنساني؛ فذلك يظل من اختصاص القلب والوجدان.

أما مشاريعي المقبلة، فأعمل حاليًا على رواية تستلهم المعاناة الإنسانية، وتحتفي بالأمل حتى في أصغر الانتصارات. ولا أطمح إلى إنتاج محتوى عابر، بل إلى كتابة نصوص تبقى حية بعد رحيلي.

وأختتم بالقول:

“ما دامت هناك كلمة تُكتب، فهناك معنى يقاوم.”


كلمة أخيرة

أتوجه بالشكر الجزيل للأستاذ كمال الحجامي على هذا الحوار الثقافي الراقي، وأعتز بهذه الاستضافة التي أعدها وسامًا أفتخر به. كل التقدير والاحترام، مع خالص الدعاء لكم بالتوفيق والنجاح.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى