العدل قبل التعدد

بقلم  أ. م. د. خلود جبار الشطري

“القرآن لم يجعل التعدد معيارًا للرجولة، وإنما جعل العدل معيارًا للمسؤولية.”

كلما طُرح موضوع التعدد، اتجه كثيرٌ من النقاش إلى الحديث عن الجواز الشرعي، بينما غاب الحديث عن الشرط الذي جعله القرآن أساسًا لهذا الجواز.

إن الأحكام الشرعية لا تُقرأ مجتزأة؛ فالإسلام لم يجعل حقًّا إلا وأحاطه بواجب، ولم يمنح رخصةً إلا وقيَّدها بمسؤولية تحفظ الأسرة وتصون المجتمع.

ولذلك، فإن هذا المقال لا يناقش أصل الحكم الشرعي، فهو ثابت بنص القرآن الكريم، وإنما يناقش ثقافةً اجتماعيةً جعلت التعدد عند بعض الناس مظهرًا للقوة أو الوجاهة، مع أن القرآن وجَّه الأنظار إلى سؤالٍ آخر يسبق كل شيء.

قال تعالى:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.

إن اللافت في هذه الآية أنها جعلت العدل شرطًا يسبق التعدد، وكأنها تنقل الإنسان من سؤال الرغبة إلى سؤال المسؤولية.

فالعدل ليس نفقةً تُدفع، ولا مبيتًا يُقسَّم فحسب، بل هو قدرةٌ على حفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، ورعاية الأبناء، وبناء أكثر من أسرة دون ظلمٍ أو تقصير.

وإذا كان هناك من استطاع أن يقيم العدل ويحفظ الحقوق، فإن المشكلة ليست في الحكم الشرعي، وإنما في تحويل الرخصة إلى ميدانٍ للمفاخرة، أو وسيلةٍ لإثبات المكانة، مع تجاهل ما يترتب عليها من مسؤوليات.

إن أخطر ما يترتب على غياب العدل ليس الخلاف الأسري وحده، بل تشويه صورة الحكم الشرعي نفسه؛ لأن الناس قد يخلطون بين سوء التطبيق وصحة التشريع.

ولهذا، فإن المجتمع بحاجة إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية قبل ثقافة المطالبة بالحقوق؛ فالرجولة لا تُقاس بعدد الزيجات، وإنما بصدق الأمانة، وحفظ الحقوق، وإقامة العدل.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار:

ليس: هل أستطيع أن أتزوج؟

بل: هل أستطيع أن أعدل كما أمر الله؟

فالزواج قد يكون عقدًا يُبرم في لحظات، أما العدل فهو أمانةٌ تمتد ما امتدت الحياة، وسيقف الإنسان بين يدي الله ليسأل عنها.

فالقرآن لم يجعل التعدد معيارًا للرجولة، وإنما جعل العدل معيارًا للمسؤولية.

زر الذهاب إلى الأعلى