حراك فكري وقراءة ثقافية في ظاهرة عالمية.. مركز الحضارات يضيء على الهوية والذاكرة في أربعينية الإمام الحسين (ع)
سعاد حسن الجوهري / بغداد
شهدت العاصمة بغداد تظاهرة فكرية وثقافية رفيعة المستوى حيث أقام مركز الحضارات للثقافة والآداب إحدى تشكيلات مؤسسة نبض الوطن للدراسات والثقافة والإعلام ندوة فكرية موسومة بـ (ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام.. الهوية.. الذاكرة والمجتمع: مقاربات ثقافية في ظاهرة عالمية).
الندوة التي أدارها ببراعة واقتدار مدير المركز الدكتور محمد الكاظم حظيت بحضور نخبوي متميز من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين وشهدت طروحات عميقة قدمها ثلة من كبار الباحثين مفككين الأبعاد الأنثروبولوجية التاريخية والاجتماعية لهذه الملحمة الإنسانية.
افتتح الندوة الدكتور محمد الكاظم مؤكداً أن زيارة الأربعين لم تعد مجرد شعيرة دينية عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية عابرة للحدود تستدعي وقفات نقدية وتحليلية لفهم سر ديمومتها وتأثيرها في صياغة الهوية المجتمعية.
السيد علي الطالقاني: الحسين (ع) في عيون الأنثروبولوجيا الغربية
في ورقة بحثية رصينة ومثيرة للاهتمام، أبحر السيد علي الطالقاني في أبعاد الملحمة الحسينية وامتدادها العالمي مستشهداً بطروحات وعين عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي الشهير (وليم آرنس) وموقفه التحليلي المنصف لشهادة الإمام الحسين (ع) وواقعة كربلاء.
واستعرض الطالقاني أبرز ملامح قراءة آرنس للمعركة والتي تلخصت في ثلاث ركائز بنيوية
الرمز المطلق للبطولة: حيث يرى العالم الأمريكي في شخص الإمام الحسين (ع) رمزاً إنسانياً شامخاً للثبات الأسطوري أمام الطغيان متجسداً في مواجهته لحصار عسكري وجغرافي خانق دون تنازل.
التفوق الأخلاقي: تأكيد آرنس على أن صمود الحسين (ع) الفريد في وجه جيش ضخم مجرد من الإنسانية يمثل انتصاراً حتمياً للمبادئ والقيم الإلهية العليا على القوة المادية الغاشمة والغطرسة العسكرية.
البعد الإنساني العالمي: وبموجب هذا التحليل، لم تعد واقعة الطف مجرد حدث تاريخي محلي محصور في حقبة زمنية أو بقعة جغرافية، بل هي (درس عالمي مستدام) في التضحية والفداء يملك طاقة جاذبة ومحركة للجماهير تجلت بوضوح في مسيرات الأربعين المليونية.
من جانبه أخذ الأستاذ الدكتور مزهر الخفاجي الحاضرين في رحلة تاريخية استقصائية مسلطاً الضوء على بواكر التدوين التاريخي لواقعة الطف. وركز الخفاجي في أطروحته على شخصية المؤرخ التاريخي ابي مخنف لوط بن يحيى باعتباره الصيرفي الأول والأبرز الذي وثق مقتل الإمام الحسين (ع) بأسانيد قريبة عهد بالحدث. وبين الخفاجي كيف ساهمت مرويات أبي مخنف في حفظ (الذاكرة الجماعية) للأمة من التزييف مشكّلة النواة الأولى للهوية الثقافية.
أما الأستاذ الدكتور فائز الشرع فقد ركز في طروحاته على الأثر الاجتماعي المباشر للزيارة الأربعينية، وكيف يعيد المجتمع إنتاج قيم التكافل الاجتماعي والضيافة والتلاحم الإنساني خلال فترة الزيارة معتبراً أن الأربعينية باتت صمام أمان لحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية في مواجهة تحديات العولمة وتذويب الهويات المحلية.
وفي ختام المداولات والنقاشات المستفيضة بين الباحثين والجمهور خرجت الندوة بحزمة من التوصيات الاستراتيجية التي تهدف إلى مأسسة هذا النتاج الفكري
تأسيس مرصد دولي للأنثروبولوجيا الحسينية: يدعو إلى ترجمة الطروحات الغربية (كطروحات وليم آرنس وغيره) ودراستها بعمق للاستفادة من النظرة الخارجية للظاهرة.
إحياء وتحقيق المخطوطات التاريخية: دعم المشاريع البحثية التي تعنى بتحقيق التراث التوثيقي الأول لواقعة الطف (امتداداً لمدرسة أبي مخنف التاريخية) لحماية التاريخ من التحريف.
تضمين أبعاد الأربعينية في المناهج الإنسانية: دعوة الجامعات العراقية والعربية إلى توجيه رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه نحو دراسة الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لزيارة الأربعين كظاهرة عالمية.
استثمار الظاهرة في تعزيز السلم المجتمعي: توظيف القيم الإنسانية المشتركة المتجلية في الأربعين (الكرم، الإيثار، التعايش) لبناء جسور التواصل مع مختلف الثقافات والأديان حول العالم.




