الدكتور مازن محمد… حين يصافح الطبُ الأدبَ ويصبح السردُ مرآةً للإنسان
أخصائي الباطنية والكاتب السعودي يكشف لـ«للعراق سكاي» أسرار تجربته الإبداعية الممتدة لأكثر من 18 عاماً
حوارات مع المبدعين
الدكتور مازن محمد… حين يصافح الطبُ الأدبَ ويصبح السردُ مرآةً للإنسان
أخصائي الباطنية والكاتب السعودي يكشف لـ«للعراق سكاي» أسرار تجربته الإبداعية الممتدة لأكثر من 18 عاماً
الكاتب والطبيب الدكتور مازن محمد
أخصائي الباطنية – المدينة المنورة / المملكة العربية السعودية
حاوره: كمال الحجامي
يجمع الدكتور مازن محمد بين دقة الطبيب وحساسية الكاتب، ليقدم تجربة أدبية امتدت لأكثر من ثمانية عشر عاماً، تنوعت بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والرواية، والشذرات، والنصوص النثرية والومضات. وخلال هذه المسيرة أصدر عدداً من الأعمال، من أبرزها: ظل مفقود، خواطر مذكرات ميت، تيه، إسبريسو، السرير 36، وبقايا كاتب وأخصائي باطنية، إلى جانب اهتمامه بمراجعة الروايات العربية وقراءتها نقدياً.
في هذا الحوار، يفتح الدكتور مازن محمد أبواب تجربته الإبداعية، ويتحدث عن بداياته، ورؤيته للسرد، وعلاقته باللغة العربية، وكيف نجح في تحقيق التوازن بين الطب والأدب.
■ بدايةً… كيف انطلقت رحلتكم مع الكتابة، ومتى اكتشفتم سحر الكلمة وجمالها؟
كانت البداية في المرحلة الثانوية من خلال مادة التعبير، حيث اكتشفت شغفي باللغة والكتابة. ثم جاءت المنتديات الأدبية لتمنحني الجرأة على النشر أمام الجمهور، وتقبّل النقد والحوار مع القراء. ومنذ ذلك الوقت توالت الإصدارات، وأصبح القلم بالنسبة إليّ أشبه بسحابة ركامية لا تتوقف عن الهطول.
■ ما الذي تمنحه القصة القصيرة للقارئ، وما سر تأثيرها المستمر؟
السرد، بمختلف أشكاله، من أكثر الوسائل قدرة على إيصال الفكرة، لأنه يعتمد على الحركة والشخصيات ويمنح الكاتب مساحة واسعة للتعبير بعيداً عن القيود. ولأن القصة تخاطب الوجدان قبل العقل، كان تأثيرها دائماً عميقاً في النفس الإنسانية، ولذلك حفلت النصوص القرآنية بالقصص لما تحمله من قوة في التأثير والهداية.
■ كيف تنظرون إلى الملتقيات الثقافية والأدبية بوصفها فضاءً لتبادل الأفكار؟
أراها من أهم البيئات التي تُثري تجربة الكاتب. فالمبدع يعيش العزلة أحياناً بإرادته أو بحكم ظروفه، لكن اللقاءات الثقافية توسع أفقه الفكري، وتفتح أمامه نوافذ جديدة للحوار والتجربة، وهو ما ينعكس إيجاباً على مشروعه الإبداعي.
■ إلى أي مدى يشكل التراث العربي ركيزة في بناء التجربة الأدبية الحديثة؟
لا يستطيع أي كاتب أن يبدأ من فراغ. فكل تجربة إبداعية هي امتداد لما سبقها. التراث، والتاريخ، ونصوص الرواد، تمثل المنابع التي نستقي منها أدواتنا ورؤانا، ومنها ننطلق نحو كتابة أكثر نضجاً وثراءً.
■ للغلاف والعنوان أثر كبير في جذب القارئ، فإلى أي مدى تشاركون في تصميم أعمالكم؟
أحرص دائماً على أن يكون الغلاف امتداداً للنص، لذلك أطرح تصوري العام للمصمم أو الناشر انطلاقاً من فكرة العمل ومضمونه. كما أهتم بأدق التفاصيل، وربما أرهق فريق التصميم بكثرة ملاحظاتي، لكنني أؤمن بأن الغلاف هو البوابة الأولى التي يدخل منها القارئ إلى الكتاب.
■ ما رأيكم في انتشار الهايكو والومضة والنانو وغيرها من الأشكال الشعرية الحديثة؟
أنا مؤمن بعظمة اللغة العربية وبجمال الشعر العربي الموزون والمقفى، ولا أرى ضرورة لدمج هذه الفنون فيه. لكل فن هويته الخاصة، ولهذا أحب الهايكو والومضة وأمارسهما ضمن تصنيفهما المستقل. نحن نعيش عصر السرعة، وأصبح القارئ يبحث عن نص مكثف يحمل فكرة وشعوراً في أقل مساحة ممكنة، لكن كتابة الومضة الحقيقية ليست مجرد كلمات قصيرة، بل هي تكثيف عميق يترك أثراً باقياً.
■ كيف تبنون شخصيات قصصكم، خصوصاً في القصة القصيرة جداً؟
الفكرة هي محور النص بالنسبة إليّ، أما الشخصيات فتأتي لخدمة هذه الفكرة. وفي القصة القصيرة جداً أعتمد كثيراً على المونولوج أو الحديث الداخلي أكثر من الحوار الخارجي، وربما يعود ذلك إلى طبيعتي الشخصية التي تميل إلى الصمت والابتعاد عن الثرثرة.
■ ما أهمية دعم المواهب الأدبية الشابة، وكيف يتم ذلك في المملكة العربية السعودية؟
لدينا تجربة مميزة تُعرف باسم “الشريك الأدبي”، وهي مبادرة تُنظم أمسيات وفعاليات ثقافية في المقاهي الأدبية بمختلف مدن المملكة، وتهدف إلى اكتشاف الأقلام الشابة ومنحها فرصة الظهور. وقد أثبتت هذه المبادرة نجاحها خلال أكثر من خمس سنوات، وأسهمت في بروز عدد من المواهب الواعدة.
■ تجمعون بين الطب والأدب، وهما مجالان يتطلبان جهداً ووعياً كبيرين. كيف تحققون هذا التوازن؟
أشعر بأن العلاقة بين الطب والأدب علاقة تكامل لا تناقض. فالطب منحني قدرة أعمق على فهم الإنسان، والغوص في مشاعره وآلامه وصمته، بينما منحني الأدب لغة أكثر رهافة وذائقة إنسانية انعكست على أسلوبي في التعامل مع المرضى والناس عموماً.
■ وما أبرز مشاريعكم الأدبية المقبلة؟
أعمل حالياً على إعداد مجموعة قصصية جديدة، إلى جانب الجزء الثاني من كتاب “بقايا كاتب وأخصائي باطنية”، وأتطلع إلى أن يحمل العملان إضافة نوعية إلى مسيرتي الأدبية.
ختاماً…
في ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور مازن محمد على هذا اللقاء الثري، الذي كشف عن تجربة تجمع بين عمق المعرفة الطبية ورهافة الحس الأدبي. نتمنى له دوام الإبداع والتألق، وأن تواصل أعماله إثراء المشهد الثقافي العربي، مع خالص الأمنيات له بالتوفيق والنجاح في مسيرته العلمية والإبداعية.





