الناقد المغربي إملوان الصديق: المرأة في الشعر العربي المعاصر انتقلت من «موضوع للكتابة» إلى «ذات منتجة للمعنى»
حوارات مع المبدعين
الناقد المغربي إملوان الصديق: المرأة في الشعر العربي المعاصر انتقلت من «موضوع للكتابة» إلى «ذات منتجة للمعنى»
حاوره: كمال الحجامي
يُعدّ الناقد المغربي إملوان الصديق من الأصوات النقدية التي جمعت بين الإبداع الشعري والبحث الأكاديمي، مقدماً قراءات تنطلق من رؤية جمالية وفكرية تتقاطع مع قضايا الهوية والكتابة والإنسان. في هذا الحوار يتحدث عن صورة المرأة في الشعر العربي المعاصر، وتحولات القصيدة، وأدب السيرة الذاتية، ومستقبل الأجناس الشعرية الحديثة، كما يكشف عن أبرز مشاريعه النقدية المقبلة.
سؤال: تنوعت إسهاماتكم بين الشعر والنقد والكتابة. كيف تنظرون إلى صورة المرأة في الشعر العربي المعاصر؟
إملوان الصديق: يمكن القول إن صورة المرأة في الشعر العربي المعاصر تختلف باختلاف الجهة الكاتبة. ففي الشعر الذي يكتبه الرجل غالباً ما حضرت المرأة بوصفها موضوعاً للكتابة أكثر من كونها ذاتاً فاعلة، بينما استطاعت الشاعرة العربية أن تعيد تشكيل هذه الصورة، فانتقلت من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل المنتج للدلالة والمعنى. وبذلك أثبتت حضورها في المشهد الثقافي والإبداعي، وبحثت عن هويتها الإنسانية بعيداً عن ثنائية الهيمنة والخضوع، مدركة أن فعل الكتابة هو فعل تمرد وانعتاق، وخروج من صمت طويل إلى فضاء الحرية والإبداع.
سؤال: ما الدور الذي يؤديه الشعر اليوم في التعبير عن قيم الإيثار والحماسة والغزل والدفاع عن القضايا العربية الكبرى؟
إملوان الصديق: أعتقد، بل أجزم، أن الشعر العربي المعاصر يحمل مسؤولية التعبير الصادق عن الإنسان وهمومه، سواء انطلقت القصيدة من تجربة ذاتية أم من قضايا المجتمع. فالإيثار يتجلى في تمجيد التضحية من أجل الوطن والإنسان، والحماسة تستنهض الوعي الجمعي في مواجهة كل ما يستهدف الهوية والوجود، بينما تجاوز الغزل صورته التقليدية ليصبح تعبيراً عن الحب الإنساني والوفاء والحنين.
أما التواصل الحقيقي، فيتحقق حين يلامس الشاعر وجدان المتلقي بلغة قريبة من الواقع وصور شعرية تنقل آلام الناس وآمالهم. ومن هنا يغدو الشعر جسراً ثقافياً وإنسانياً يوقظ الحس بالمسؤولية تجاه قضايا الحرية والكرامة والدفاع عن الأرض والهوية.
سؤال: السيرة الذاتية سجل لتجربة الإنسان عبر الزمن. كيف يمكن للكاتب أن يدوّن سيرته بصدق بعيداً عن المبالغة؟
إملوان الصديق: الكتابة السيرية من أصعب أشكال الكتابة، لأنها تتطلب قدراً عالياً من الصدق والشجاعة الأدبية. فالكاتب مطالب بأن يواجه ذاته كما هي، معترفاً بنجاحاته وإخفاقاته من دون تجميل أو افتعال، وأن يستخدم لغة صادقة وبسيطة تعكس التجربة كما عاشها، لا كما يرغب الآخرون في رؤيتها.
أما على المستوى الشخصي، فلم أفكر حتى الآن في كتابة سيرتي الذاتية، لأن هذا الجنس الأدبي تحكمه ضوابط دقيقة. وأجد نفسي أكثر ميلاً إلى الشعر، فهو فضائي الوجودي الذي أستريح فيه روحياً وفكرياً.
سؤال: شهدت الساحة الأدبية تنوعاً في الأجناس الشعرية، من قصيدة الومضة إلى الهايكو والنانو وغيرها. ماذا أضافت هذه التجارب إلى المتلقي؟
إملوان الصديق: عرف المشهد الشعري العربي تحولات كبيرة، فإلى جانب القصيدة العمودية برز شعر التفعيلة وقصيدة النثر، ثم جاءت أشكال شعرية وافدة بفعل التفاعل الحضاري، مثل الهايكو الياباني وقصيدة النانو التي تقوم على التكثيف والإيجاز والرمزية العالية.
وقد أسهم شعراء عرب في ترسيخ هذه التجارب، من بينهم الشاعر أسعد الجبوري بمشروعه في «الشعر المضغوط»، إلى جانب أسماء أخرى. وأرى أن هذه الأشكال أضافت أبعاداً جمالية جديدة للقصيدة العربية، ووسعت أفق التلقي، ونجحت في إثارة التفكير وإحداث تفاعل عميق بين الإنسان والعالم.
سؤال: يقال إن القصيدة هي التي تكتب الشاعر قبل أن يكتبها هو. كيف تنظرون إلى هذه العلاقة؟
إملوان الصديق: العلاقة بين الشاعر والقصيدة علاقة جدلية قائمة على التأثير المتبادل. فالشاعر يمتلك أدواته الفنية واللغوية، لكن لحظة الإلهام قد تقوده إلى مناطق لا يخطط لها مسبقاً، فتبدو القصيدة وكأنها تكتب نفسها عبره. وفي المقابل، لا يمكن لهذا الإلهام أن يتحول إلى عمل إبداعي من دون وعي الشاعر وخبرته وقدرته على تشكيل النص. لذلك أرى أن الشاعر والقصيدة يكتمل أحدهما بالآخر في علاقة لا تنفصل فيها الموهبة عن الصنعة.
سؤال: ما أبرز مشاريعكم الإبداعية والنقدية في المرحلة المقبلة؟
إملوان الصديق: أعمل حالياً على إنجاز مجموعة من الدراسات النقدية التي شغلتني منذ سنوات، من أبرزها دراسة بعنوان «الشعر والأسطورة… قراءة في شعر عبد الوهاب البياتي»، وأخرى بعنوان «صورة المرأة في السيرة الذاتية.. ليلى أبو زيد أنموذجاً»، إلى جانب مشاريع بحثية أخرى تتناول النصوص الشعرية والسردية من زوايا نقدية مختلفة.
وفي ختام هذا الحوار، أتقدم بخالص التقدير والامتنان للإعلامي كمال الحجامي على هذه الاستضافة الثقافية الثرية.
ن




