حينَ يَغِيبُ مَنْ لَمْ يَعُدْ لَهُ ظِلٌّ فِي الذَّاكِرَةِ

 

بقلم الدُّكتور أَيْمَن الرَّمَضَان

 

لَيْسَ الغِيابُ هُوَ الرَّحِيلَ الجَسَدِيَّ، فَالرَّاحِلُونَ يَتْرُكُونَ أَصْوَاتَهُمْ مُعَلَّقَةً فِي جُدْرَانِ الذَّاكِرَة، وَيَتْرُكُونَ لِلرُّوحِ مَمَرًّا خَفِيًّا يَقُودُ إِلَيْهِمْ كُلَّمَا انْكَسَرَتْ فِي الدَّاخِلِ نَفْسٌ تَحِنُّ.

الغِيابُ الحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ حِينَ تَتَوَقَّفُ النَّفْسُ عَنْ اسْتِدْعَاءِ مَنْ كَانُوا يَمْلَأُونَ حَيَاتَهَا، حِينَ تُغْلِقُ الذَّاكِرَةُ أَبْوَابَهَا، وَتُطْفِئُ آخِرَ مِصْبَاحٍ كَانَ يُنِيرُ طَرِيقَ العَوْدَةِ.فَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ أَقْسَى مَا يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ هُوَ إِخْرَاجُ شَخْصٍ مِنْ حَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَعْمَقُ وَأَشَدُّ وَقْعًا؛ فَالرَّاحِلُونَ يَبْقَوْنَ وَاقِفِينَ عَلَى أَبْوَابِ الذَّاكِرَةِ، يَحْمِلُونَ احْتِمَالَ العَوْدَةِ، مَا دَامَتْ لَهُمْ فِيهَا غُرْفَةٌ لَمْ تُهْدَمْ بَعْدُ.نُغْلِقُ الأَبْوَابَ، نُعْلِنُ النِّهَايَاتِ، نُمارِسُ كُلَّ أَشْكَالِ التَّنَاسِي، وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ يَبْقَى مَفْتُوحًا مَا دَامَتْ الذِّكْرَى حَيَّةً.

فَالإِنْسَانُ لَا يَعُودُ لِأَحَدٍ بِسَبَبِ الحَاضِرِ، بَلْ بِسَبَبِ مَا تَرَكَ فِيهِ المَاضِي مِنْ دِفْءٍ، وَمَا تَرَكَتْهُ الضَّحِكَةُ مِنْ صَدَى، وَمَا تَرَكَتْهُ اللَّحْظَةُ مِنْ نُورٍ يَأْبَى الزَّمَنُ أَنْ يُطْفِئَهُ.لِذَلِكَ كَانَتِ الذِّكْرَى لَيْسَتْ صُورًا مُعَلَّقَةً فِي العَقْلِ، بَلْ جُسُورًا تُوصِلُنَا بِكُلِّ مَنْ عَبَرُوا رُوحَنَا.

وَحِينَ نُقَرِّرُ إِخْرَاجَ شَخْصٍ مِنْ حَيَاتِنَا، فَإِنَّنَا لَا نَكُونُ قَدْ أَنْهَيْنَا القِصَّةَ؛ فَالنِّهَايَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَبْدَأُ حِينَ نُخْرِجُ ذِكْرَاهُ مِنَّا، حِينَ نُسَلِّمُ القَلْبَ لِقَرَارٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ.عِنْدَهَا فَقَطْ يُصْبِحُ الغِيابُ كَامِلًا، وَيُصْبِحُ الرُّجُوعُ مُسْتَحِيلًا.

فَمَنْ لَا يَجِدُ لَهُ غُرْفَةً فِي الذَّاكِرَةِ، لَنْ يَجِدَ طَرِيقًا لِلْعَوْدَةِ.إِنَّ الذِّكْرَيَاتِ هِيَ الوَطَنُ الأَخِيرُ لِلْعَلَاقَاتِ؛ نَبْكِي حِينَ نَفْقِدُ الأَشْخَاصَ، وَلَكِنَّنَا نَتَشَظَّى حِينَ نَفْقِدُ ذِكْرَاهُمْ.

فَمَحْوُ الذِّكْرَى لَيْسَ فِعْلَ نِسْيَانٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةُ تَحَرُّرٍ مُؤْلِمَةٌ تُشْبِهُ اقْتِلَاعَ الجُذُورِ مِنَ الأَرْضِ؛ لَحْظَةٌ يُقَرِّرُ فِيهَا القَلْبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ اسْتِحْضَارِ مَا كَانَ، وَأَنْ يَمْنَحَ نَفْسَهُ فُرْصَةَ العَيْشِ دُونَ انْتِظَارٍ.وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ يَخَافُ الإِنْسَانُ مِنْ نِسْيَانِ مَنْ أَحَبَّ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُ مِنْ فَقْدِهِ؛ فَالفَقْدُ يُبْقِي بَابًا مُوَارَبًا لِلأَمَلِ، أَمَّا النِّسْيَانُ فَيُغْلِقُ الأَبْوَابَ كُلَّهَا.

فَالأَشْخَاصُ قَدْ يَعُودُونَ، أَمَّا الذِّكْرَيَاتُ إِذَا رَحَلَتْ حَقًّا، فَلَنْ تَعُودَ كَمَا كَانَتْ أَبَدًا.وَفِي النِّهَايَةِ…

لَيْسَ الانْتِصَارُ أَنْ نُخْرِجَ الأَشْخَاصَ مِنْ حَيَاتِنَا، بَلْ أَنْ نَبْلُغَ المَرْحَلَةَ الَّتِي لَا تَعُودُ فِيهَا ذِكْرَاهُمْ قَادِرَةً عَلَى اسْتِدْعَائِنَا إِلَى الوَرَاءِ.

فَحِينَ تَمُوتُ الذِّكْرَيَاتُ، تَمُوتُ مَعَهَا الطُّرُقُ المُؤَدِّيَةُ لِلْعَوْدَةِ، وَيُولَدُ فِينَا إِنْسَانٌ جَدِيدٌ لَا يَسْكُنُ المَاضِي، بَلْ يَمْضِي نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ بِخِفَّةٍ.فَبَعْضُ الأَبْوَابِ لَا تُغْلَقُ بِالمَفَاتِيحِ… بَلْ بِالنِّسْيَانِ.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى