إعادة هندسة السلطة القضائية.. ماذا تعني قرارات القاضي فائق زيدان؟

 

 

ناجي الغزي/كاتب سياسي

 

في الدول التي تخوض معارك كبرى ضد الفساد، لا تبدأ المواجهة من مكاتب التحقيق والأجهزة الرقابية وحدها، بل من داخل المؤسسة القضائية التي ستفصل في تلك القضايا وتمنحها الشرعية القانونية. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يُقاس بعدد أوامر القبض أو حجم الأموال المضبوطة، وإنما بقدرة القضاء على حسم الملفات بعدالة واستقلال وسرعة، لأن الأحكام القضائية هي التي تمنح الدولة هيبتها، وتحوّل الإرادة السياسية إلى واقع قانوني.

 

من هذا المنطلق، تكتسب القرارات التي أصدرها رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، أهمية استثنائية. فقد شملت انتداب اثني عشر قاضياً إلى محكمة التمييز الاتحادية، وتكليف رئيس جديد للادعاء العام، وإعادة ترتيب رئاسات عدد من محاكم الاستئناف. وهي تغييرات لا تبدو، في توقيتها ونطاقها والمفاصل التي طالتها، مجرد حركة إدارية روتينية، بل أقرب إلى إعادة تموضع للقيادة القضائية استعداداً لمرحلة تتسم بحساسية قانونية وسياسية كبيرة.

 

وتزداد دلالة هذه الإجراءات مع تزامنها مع حملة حكومة علي الزيدي لمكافحة الفساد، المعروفة بـ”صولة الفجر”، والتي انتقلت من مرحلة الكشف والتحقيق إلى مرحلة إحالة الملفات الكبرى إلى القضاء. ففي هذه المرحلة، يصبح القضاء الحلقة الحاسمة؛ إذ قد تنفذ الأجهزة الأمنية أوامر القبض، وقد تجمع الهيئات الرقابية الأدلة، لكن الكلمة الأخيرة تبقى للمحاكم.

 

ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: *هل تمثل هذه التغييرات تحصيناً للمسار القضائي لضمان نجاح معركة مكافحة الفساد، أم أنها تعكس رؤية أوسع لإعادة بناء المؤسسة القضائية وتعزيز جاهزيتها لمتطلبات مرحلة جديدة؟* إن الإجابة لا تكمن في نصوص الأوامر القضائية وحدها، بل في قراءة دلالاتها المؤسسية، وطبيعة المواقع التي شملتها، والسياق الوطني الذي صدرت فيه، وهو ما يجعلها تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها الإداري إلى أبعادها الاستراتيجية في مسار بناء دولة القانون.

 

*القضاء يسبق المعركة*

 

التجارب الدولية تؤكد أن أخطر ما يواجه حملات مكافحة الفساد ليس نقص الأدلة، وإنما ضعف المؤسسات التي تنظر فيها. فالفساد لا يحاول فقط إخفاء الأموال، بل يسعى إلى التأثير في مسار العدالة عبر إطالة الإجراءات، أو تسريب المعلومات، أو استثمار الثغرات الإدارية، أو استغلال تضارب الصلاحيات.

ومن هنا يمكن فهم التغييرات الأخيرة باعتبارها عملية *رفع جاهزية المؤسسة القضائية* قبل الدخول في ملفات قد تكون الأكثر تعقيداً في تاريخ العراق الحديث. ليست القضية استبدال أسماء بأسماء، وإنما إعادة ترتيب مفاصل اتخاذ القرار القضائي.

 

*لماذا محكمة التمييز أولاً؟*

 

القرار الأكثر أهمية كان انتداب اثني عشر قاضياً إلى محكمة التمييز الاتحادية. محكمة التمييز ليست مجرد درجة قضائية أعلى، بل هي المرجع الذي يرسم الاتجاه القضائي للدولة، ويوحد الاجتهادات، ويبت في الطعون المتعلقة بأخطر القضايا.

واللافت أن المنتدبين يشغل معظمهم مواقع قيادية في محاكم الاستئناف، وهو ما يعني أن الاختيار استند إلى الخبرة والكفاءة، وليس إلى سد شواغر وظيفية.

إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إحالة ملفات فساد كبيرة، فإن محكمة التمييز ستكون أمام مسؤولية تثبيت السوابق القضائية وضمان سلامة الإجراءات، ومن هنا تبدو الحاجة إلى تعزيزها مفهومة من منظور مؤسسي.

 

*الادعاء العام… إعادة بناء رأس الحربة*

 

التغيير الثاني لا يقل أهمية، وهو تكليف *القاضي عادل خضير عباس برئاسة الادعاء العام* بعد نقله من هيئة الإشراف القضائي.

في الأنظمة القانونية الحديثة، يمثل الادعاء العام الضمير القانوني للدولة، فهو لا يلاحق الجرائم فحسب، بل يتابع حماية المال العام، ويراقب حسن تطبيق القانون، ويطعن بالأحكام التي يرى أنها لا تحقق العدالة.

واختيار شخصية قادمة من هيئة الإشراف القضائي قد يعكس توجهاً نحو ربط الرقابة القضائية بالادعاء العام، بما يعزز الانضباط المؤسسي في مرحلة تتطلب سرعة الحسم ودقة الإجراءات.

 

*تدوير القيادات… لا فراغ في المحافظات*

 

التغييرات شملت أيضاً رئاسات محاكم استئناف بابل وصلاح الدين والأنبار. لكن اللافت أن البدلاء جاءوا من داخل المؤسسة، عبر تكليف نواب رؤساء المحاكم بمهام الرئاسة.

هذه ليست مصادفة، بل تعكس فلسفة تقوم على الحفاظ على استقرار العمل القضائي، والاستفادة من الخبرات الموجودة، وتجنب أي فراغ إداري في محاكم تشهد آلاف الدعاوى سنوياً.

 

*هل الهدف تحصين “صولة الفجر”؟*

 

إذا صحت المعلومات المتداولة بأن هذه الإجراءات جاءت لمنع أي تهاون أو تسريب للمعلومات أو تعطيل لمسار القضايا، فإننا أمام مفهوم مختلف لمكافحة الفساد.

فالفساد لا يُواجه فقط بالمداهمات والاعتقالات، بل بتحصين المؤسسة التي ستصدر أحكامها.

وفي كثير من التجارب الدولية، كانت إعادة هيكلة القضاء تسبق أكبر حملات مكافحة الفساد. ففي سنغافورة، وهونغ كونغ، وجورجيا، لم تبدأ الإصلاحات بالقبض على الفاسدين، بل بتعزيز استقلال القضاء، وتطوير الادعاء العام، ورفع كفاءة المحاكم.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى ما يجري باعتباره محاولة لإغلاق أي ثغرة قد يستفيد منها المتهمون، سواء عبر التأخير، أو تضارب الاختصاص، أو ضعف التنسيق.

 

*القضاء يدخل مرحلة مختلفة*

 

تزامن هذه التغييرات مع الحديث عن ملاحقة الأموال المهربة إلى الخارج، والتعاون الدولي في تعقبها، يضيف بعداً جديداً للمشهد.

فالملفات العابرة للحدود لا تحتاج إلى قرارات أمنية فقط، بل إلى جهاز قضائي يمتلك الخبرة في الإنابات القضائية، والتعاون الدولي، وتوثيق الأدلة، وإصدار الأحكام القابلة للتنفيذ خارج العراق.

وهذا يفسر لماذا أصبحت إعادة ترتيب القيادة القضائية ضرورة قبل أن تكون خياراً.

 

*بين الإدارة والاستراتيجية*

 

قد يصف البعض ما جرى بأنه “تدوير مناصب”، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنه أقرب إلى *إعادة تمركز للسلطة القضائية*. فالقيادات التي جرى تحريكها ليست في مواقع هامشية، بل في قلب منظومة العدالة: محكمة التمييز، والادعاء العام، ومحاكم الاستئناف.

وعندما تتحرك هذه المفاصل في توقيت واحد، فإن الرسالة تتجاوز الإدارة اليومية إلى بناء منظومة أكثر استعداداً للتعامل مع المرحلة المقبلة.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى