محمد داود قندح.. الكتابة انحياز للمعنى في زمن الضجيج
حوارات مع المبدعين
محمد داود قندح.. الكتابة انحياز للمعنى في زمن الضجيج
حاوره: كمال الحجامي
في المشهد الثقافي العربي تتعدد الأصوات وتتباين التجارب، غير أن بعض الكتّاب يتركون أثرهم من خلال إيمانهم العميق برسالة الأدب ودوره في بناء الوعي الإنساني. ومن بين هذه الأصوات يبرز الروائي والشاعر الأردني محمد داود قندح، الذي ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً وجودياً وموقفاً أخلاقياً قبل أن تكون مهنة أو وسيلة للشهرة.
تشكل وعيه الأدبي على تجارب كبار المبدعين العرب، فنهل من أدب غسان كنفاني معنى المقاومة عبر الحكاية، ومن أعمال إبراهيم نصر الله أهمية التفاصيل الصغيرة في صناعة الذاكرة الكبرى، فيما وجد في شعر محمود درويش وسميح القاسم فضاءً رحباً للهوية والانتماء والموقف الإنساني.
في هذا الحوار، نتوقف معه عند قضايا الأدب والنقد والشعر والسرد في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
س: نرى أن الأدب العربي القديم اتسم ببلاغة اللغة وسحر المعنى وفصاحة التعبير، بينما يشهد الأدب المعاصر تحولات في اللغة والرؤية الفكرية. كيف تقارن بين هذين المسارين؟
ج:
الأدب العربي القديم لم يكن مجرد زخرف لغوي أو ألفاظ جزلة، بل كان بناءً متكاملاً يجمع بين قوة التعبير وعمق الفكرة وجمال التصوير. أما الأدب المعاصر فقد اتسعت آفاقه الفكرية والإنسانية، وأصبح أكثر التصاقاً بقضايا الإنسان وتحولاته، إلا أن بعض نماذجه فرّطت أحياناً بجمال اللغة لصالح المباشرة.
وأرى أن المسار الأمثل لا يكمن في المفاضلة بين القديم والحديث، بل في الجمع بين أصالة التراث وبلاغته، وبين روح العصر وأسئلته الجديدة، بما يحفظ للكلمة العربية سحرها وطاقتها على التأثير.
س: كيف تنظر إلى النقد الأدبي والثقافي في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة السيبرانية؟
ج:
لن يفقد النقد الأدبي والثقافي أهميته في عصر الذكاء الاصطناعي، بل ستزداد الحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى. فمع هذا التدفق الهائل للنصوص والمعلومات، تصبح مهمة الناقد أكثر حساسية في التمييز بين النص الذي يضيف معرفة حقيقية والنص الذي يكرر ما هو قائم.
كما أن النقد سيظل معنيّاً بالكشف عن البعد الإنساني والجمالي في الإبداع، وهو بعد لا تستطيع الخوارزميات محاكاته بصورة كاملة مهما بلغت درجة تطورها.
س: كيف تقيّم دور القصة في توثيق اللحظات الإنسانية وتقديمها برؤية عصرية تحمل رسالة للقارئ؟
ج:
القصة من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التقاط اللحظة الإنسانية وتحويلها من حدث عابر إلى تجربة حية تتجاوز حدود الزمن والمكان. والرؤية العصرية لا تعني مجرد نقل الوقائع، بل إعادة تشكيلها فنياً عبر شخصيات نابضة بالحياة، تحمل تناقضاتها وأسئلتها وأحلامها.
وكلما نجح الكاتب في تحقيق التوازن بين جمال السرد وعمق الفكرة، استطاع أن يصل إلى القارئ بفاعلية أكبر، لأن المتلقي لا يبحث عن الحكاية وحدها، بل عن المعنى الكامن خلفها والأثر الذي يبقى في الذاكرة بعد انتهاء القراءة.
س: كيف يوفق الشاعر بين دلالات العشق الإنساني والمكاني في الأشكال الشعرية المعاصرة، من قصيدة النثر إلى الشعر الحر والهايكو والومضة؟
ج:
الشاعر الحقيقي يدرك أن العشق الإنساني وعشق المكان يصدران من منبع واحد هو الانتماء. لذلك فإن صدق التجربة هو العنصر الحاسم في نجاح النص، بغض النظر عن شكله الفني.
فالشعر العمودي، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، والهايكو، والومضة الشعرية، كلها أدوات تعبيرية مختلفة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في قدرة الشاعر على تحويل اللحظة العابرة إلى معنى إنساني دائم.
س: ما أهمية النقد ووظيفته في العلاقة بين القارئ والعمل الإبداعي؟
ج:
النقد الأدبي يمثل جسراً معرفياً بين النص والقارئ. فهو لا يكتفي بشرح العمل أو تفسيره، بل يفتح آفاقاً جديدة للتأويل والفهم، ويكشف مستويات المعنى الكامنة في النص.
ومن هنا تأتي أهميته بوصفه فعلاً ثقافياً يثري التجربة الإبداعية ويمنحها حياة متجددة عبر القراءات المختلفة.
س: تعد الصورة الشعرية من أبرز سمات اللغة الشعرية. هل ترى أن الاستعارة أكثر تأثيراً من التشبيه؟
ج:
الصورة الشعرية هي جوهر الشعر وأحد أهم عناصر تميزه عن النثر؛ لأنها تنقل اللغة من مستوى الإخبار إلى مستوى الإيحاء والتخييل.
أما الاستعارة فتتمتع بقدرة أكبر على التكثيف الفني من التشبيه، لأنها تدمج بين المعنيين وتخلق وحدة دلالية جديدة، مما يمنح النص عمقاً وجمالاً وتأثيراً أوسع في المتلقي.
س: ما الفرق بين الكاتب والسارد؟ وهل يعد السارد شخصية خيالية في القصة والرواية؟
ج:
الكاتب هو الشخص الحقيقي الذي ينتج العمل الأدبي خارج النص، أما السارد فهو الصوت الذي يتولى رواية الأحداث داخل النص.
وفي الغالب يكون السارد شخصية فنية يصنعها الكاتب بعناية، وقد يقترب منه أو يبتعد عنه، لكنه لا يمثل الكاتب بالضرورة، بل يؤدي وظيفة سردية تقتضيها طبيعة العمل الأدبي ورؤيته الفنية.
كلمة أخيرة
محمد داود قندح:
أؤمن أن الأدب ليس ترفاً ثقافياً، بل محاولة دائمة لفهم الإنسان والعالم. والكتابة بالنسبة لي انحياز للمعنى في زمن الضجيج، وللذاكرة في مواجهة النسيان، وللإنسان العربي في كل تحولاته وأسئلته. إنها المسافة الفاصلة بين الصمت الذي يقتلنا والكلام الذي يمنحنا فرصة النجاة.
ختاماً، نتقدم بالشكر والتقدير للأستاذ محمد داود قندح على سعة صدره وإجاباته العميقة، متمنين له دوام التألق والإبداع في مسيرته الأدبية والثقافية.





