قوي جبان وضعيف شجاع الفرق بين القوة والشجاعة
هادي جلو مرعي
لاأدري لعلي أكون مخطئا.. وأعترف إني أفتقد الإثنتين معا، القوة والشجاعة، وحين أواجه مشكلة أعيش حالا من الكآبة والإنزواء، وعدم الرغبة في تناول الطعام، وألجأ الى الأدوية المنومة هربا من تلك المشكلة التي يعالجها الآخرون بلا مبالاة، ولايعبأون بالنتائج أبدا.
القوة الجسمانية وقوة العضلات قد تتيح لك حمل الأثقال، والجري لمسافات، وتسلق الجبال، لكن القوة لوحدها غير كافية مالم تقترن بالشجاعة. وقد أشار القرآن الى ذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ) الفرق بين قوة القلب، وقوة الجسد هو المعيار، فمن الناس من يحمل قلبا شجاعا برغم هزال جسده، أو صغر عمره. وفي حرب جالوت وطالوت كان داود يرافق جيش طالوت الذي كان جنوده يتململون، ويبحثون عن الراحة، وإبتلاهم الله بنهر كما ورد في قوله تعالى ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
في السنة الخامسة للهجرة حين حوصرت المدينة المنورة من مشركي قريش وحلفائهم طلب قائد جيشهم عمرو بن ود العامري المعروف بأنه من شجعان العرب في الجاهلية أن يبارزه رجل من المسلمين يكون ندا له، وكان عمره ثمانين عاما بحسب الروايات، وكان يضرب به المثل في الشجاعة، وكان عمر علي بن أبي طالب فوق الثلاثين بعامين، وتقاتلا في الخندق المشهور، وقتل علي عمرو، وإنكفأت قريش، وكان الفتح المبين لمكة بعد ذلك..
نسيبة بنت كعب كانت تذود عن رسول الله حين أطبق المشركون على جيش المسلمين في أحد، وجرحت، وأثنى عليها رسول الله، بينما فر خلق كثير. وقد ضرب المثل بأمية الجبارة وهي بنت لأحد شيوخ عشائر الجبور في نواحي مدينة تكريت حين حملت السلاح، وكانت تتقدم الرجال لمواجهة المتطرفين الذين أرادوا السيطرة على قريتها، حتى قتلت صابرة محتسبة، ومثلها فعلت فاطمة الشمرية في الموصل عندما قتلت عددا من الرجال هجموا عليها، وبذلك لايكون الأمر مرتبطا بقوة الجسد، بل بشجاعة القلب، ولذلك قيل (القلب الشجاع) وليس الجسدالشجاع.
قرأت تعليقا على الفيس بوك لمشترك إسمه أبو داود يفصل في الأمر، ويضرب مثلا في الحصان الذي يمتلك قوة هائلة، ولكنه ليس شجاعا، وبمجرد أن يضربه صاحبه يعدو مسرعا، مع إن ذلك ليس مثالا دقيقا لأن الحصان حيوان مسخر لخدمة الإنسان، لكن الأمثال تضرب، ولاتقاس… مواجهة الظالمين الأقوياء يمكن أن يقوم بها الشجعان شرط أن تتوفر لديهم بعض القوة والتمكين، يروي التاريخ حكايات عن شجعان واجهوا جيوشا مع قلة العدد، وخذلان الناصر.. الشجاعة هي الوقود الذي يحرك العجلة، بينما العجلة مهما كانت متينة وقوية وكبيرة وجميلة لاتتحرك مطلقا مالم يمتليء خزانها بالبنزين..
لاأدري لعلي أكون مخطئا.. وأعترف إني أفتقد الإثنتين القوة والشجاعة، وحين أواجه مشكلة أعيش حالا من الكآبة والإنزواء، وعدم الرغبة في تناول الطعام، وألجأ الى الأدوية المنومة هربا من تلك المشكلة التي يعالجها الآخرون بلا مبالاة ولايعبأون بالنتائج..





