حديثو النعمة في زمن الحواسم 

 

كتب / حسين فاضل سدخان

 

 

كان التجار قديماً يضعون كراسيهم أمام محالهم في الصباح، فإذا باع أحدهم أدخل كرسيه إلى الداخل؛ إشارةً إلى اكتفائه برزقه وإفساحاً للمجال أمام زملائه. بل كان التاجر يرشد الزبون إلى غيره ممن لم يبع شيئاً

 

وتلك كانت عادات المتوارثين للمهنة. وعلى المستوى الشخصي، أتذكر والدي المرحوم الحاج فاضل سدخان، أحد كبار المقاولين، حين كان مقاولو المدينة يتقاسمون المشاريع بعدالة رغم قلتها، حرصاً منهم على أن ينال الجميع فرصتهم دون غبن، فقد كانوا ورثة المهنة وأخلاقها وضوابطها

 

ولكن، بعد عام 2003، وما عُرف بفترة ‘الحواسم’ التي غاب فيها القانون وتفشى الكسب الحرام، ظهر جيل جديد من المقاولين وسط انهيار الأمن والنظام، وتلاشت القيم تحت تأثير المال الحرام والابتعاد عن الصواب

وفي المقابل، تدهورت المنظومة الأخلاقية لكثير من المسؤولين، ليلتقي المسؤول الفاسد حديث النعمة بمقاول الحواسم، ويشكلا ثنائية فساد خطيرة لم يشهد العراق مثيلاً لها منذ تأسيس الدولة قبل مئة عام

 

لقد أدت هذه الثنائية إلى تهميش التجار والمقاولين الحقيقيين، وبنت إمبراطوريات مالية ذات أذرع أخطبوطية تسعى لتقويض الدولة

 

ولم يعد هذا الخطر يقتصر على شريحة بعينها، بل بات يهدد كيان الدولة ومؤسساتها، إذ يُعد استمرار هذه الثنائية بمثابة انقلاب ناعم طويل الأمد، يمهد لدكتاتورية جديدة تتلاعب بمقدرات الشعب مستخدمةً المال والسلطة سلاحاً لها.

زر الذهاب إلى الأعلى