الصراع فوق بركان نووي

بقلم /الكاتب والباحث في الشأن السياسي

حسن درباش العامري

لم يعد الصراع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد توتر عابر أو مواجهة محدودة، بل تحوّل عبر السنوات إلى مسار تصاعدي محسوب، يتدرج بخطى ثابتة نحو حافة انفجار كبير، قد لا تقف تداعياته عند حدود المنطقة.

منذ أن قررت الولايات المتحدة، في عهد دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت المنطقة مرحلة جديدة عنوانها “كسر التوازن”. لم يكن ذلك القرار مجرد خطوة سياسية، بل كان إعلانًا عمليًا ببدء مرحلة الضغط المفتوح على إيران، اقتصاديًا وأمنيًا. ومع اغتيال الشهيدين السعيدين قاسم سليماني وابو مهدي المهندس مطلع عام 2020 في بغداد، تم كسر أحد أهم الخطوط الحمراء، لتتحول المواجهة من حرب ظل إلى صدام مباشر، ردّت عليه إيران بقصف قواعد أمريكية، في سابقة وضعت الجميع أمام معادلة جديدة.

خلال الأعوام التي تلت ذلك، وتحديدًا بين 2021 و2023، تصاعدت العمليات غير المعلنة، حيث تعرّضت منشآت حساسة داخل إيران، من بينها منشأة نطنز، ومنشآة فوردو لسلسلة استهدافات غامضة، في وقت كانت فيه طهران ترد بطرق غير مباشرة، محافظة على توازن دقيق بين الردع وتجنب الانفجار الشامل.

لكن التحول الأكبر جاء مع أحداث أواخر عام 2023، حين اشتعلت المنطقة على وقع الحرب في غزة، لتتداخل الساحات وتتشابك الجبهات، وتدخل المنطقة فعليًا في طور الاشتباك المفتوح. ومع استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق في نيسان 2024، وجدت طهران نفسها أمام لحظة فاصلة، فردّت بهجوم مباشر بالصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل، في أول مواجهة علنية بهذا الحجم، كاسرة بذلك قواعد الاشتباك التي ظلت قائمة لعقود.

13–14 نيسان / أبريل 2024

أطلقت إيران أكثر من 300 وسيلة هجومية (صواريخ باليستية، صواريخ كروز، وطائرات مسيّرة).

جاء الهجوم ردًا على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق.

كان هذا الهجوم الأول من نوعه مباشرة من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل، بعد سنوات من الصراع غير المباشر.

من هنا، بدأ التصعيد يأخذ منحى أكثر خطورة. لم تعد الضربات تقتصر على أهداف عسكرية محددة، بل اتسعت لتشمل البنى التحتية ومصادر الطاقة، في انتقال واضح من حرب عسكرية إلى حرب اقتصادية تستهدف شرايين الحياة. ومع كل ضربة، كان الطرف الآخر يرفع سقف اهدافة أكثر، في لعبة تصعيد متبادل لا تحكمها إلا قاعدة واحدة: “الرد بالمثل، والتصعيد مقابل التصعيد”.

وحين بدأ الحديث يقترب من منشآت بالغة الحساسية، مثل مفاعل ديمونا، لم يعد الأمر مجرد تبادل ضربات، بل تحول إلى اقتراب خطير من عتبة نووية، حيث أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام كارثة لا يمكن احتواؤها.

في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها ترسل رسالة واضحة: إنها لا تحدد مسار التصعيد بمفردها، بل تعكسه. فكلما تم استهدافها في مستوى معين، ردّت بالمستوى ذاته أو أعلى، وكأنها تقول لخصومها: “أنتم من ترسمون شكل الحرب القادمة”. وهي معادلة خطيرة، لأنها تنقل زمام المبادرة ظاهريًا للخصم، لكنها في الحقيقة تضع الجميع داخل حلقة تصعيد مغلقة.

وهكذا، لم يعد أمن المنطقة يُدار وفق استراتيجيات استقرار، بل أصبح رهينة قرارات آنية وحسابات سياسية ضيقة، يقودها لاعبون لديهم نوايا مبيتة، مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، حيث تتحول الجغرافيا إلى طاولة مقامرة، وتصبح شعوب المنطقة مجرد أوراق في لعبة كبرى.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب، بل هو لعب خطير فوق بركان نووي، قد يظل خامدًا لبعض الوقت، لكنه إن انفجر، فلن يترك لأحد فرصة النجاة أو إعادة الحسابات.

زر الذهاب إلى الأعلى