دخان القصب.. تحدٍ بيئي جديد يخنق رئة مدينة العمارة
مهدي الساعدي
انقضاء الأيام الصعبة من شهر آب الحائز على لقب “اللهّاب” في المجتمعات العراقية، لما يتميز به من شدة الحر، لم يكن حائلًا دون استمرار انتشار الدخان الكثيف في أجواء محافظة ميسان، إلى درجة أنه أصبح زائرًا معتادًا وثقيلًا مع كل هبّة رياح شرقية، ليغدو حضوره مقترنًا بهبوبها.
تشهد مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان، والعديد من أقضيتها ونواحيها انتشارًا كثيفًا للدخان المجهول الذي يغزو أجواءها كلما تحولت حركة الرياح باتجاه الشرق، المعروف محليًا بـ(الشرجي)، من دون معرفة تفاصيل أوفى عن مصدره.
الجفاف سبب رئيسي
تعددت أسباب انبعاث الدخان، لكن يبقى السبب الرئيس هو الجفاف، الذي قضى على هوية ميسان المعروفة بمدينة الأهوار، لاحتوائها أكبر المساحات المائية من الأهوار والمسطحات والمستنقعات التي كانت تحيطها من كل جانب، بل وتشترك مع دول مجاورة مثل إيران. وكانت ميسان في طليعة المحافظات المنتجة للأسماك والصناعات الأهوارية الأخرى.
يقول الناشط البيئي أحمد الساعدي للمنصة إن مساحة الأهوار العراقية تراوحت بين 15 إلى 20 ألف كيلومتر مربع منذ عقود، تشمل هور الحويزة في ميسان، وهور الحمار في ذي قار، والأهوار الوسطى. لكن بعد التجفيف وقلة الإطلاقات المائية وانحسار الأمطار فقدت الأهوار معظم مساحاتها.
ويضيف: “هور الحويزة وحده كان يشغل ما بين 3000 و3500 كيلومتر مربع، منها 2500 كيلومتر مربع داخل الأراضي العراقية، ودخل لائحة التراث العالمي عام 2016، لكنه جف تمامًا وتحول إلى أرض جرداء”.
ويؤكد رئيس منظمة أبناء الأهوار، حيدر عدنان، أن “الأبخرة والأدخنة تتصاعد نتيجة احتراق مساحات واسعة من القصب والأعشاب اليابسة بفعل الجفاف وشح المياه. وهذه ليست المرة الأولى، بل تتكرر بين فترة وأخرى. ومع تغيّر اتجاه الرياح إلى الشمال الشرقي، تنتقل هذه الأدخنة نحو المناطق السكنية”.
وتبقى قلة الإطلاقات المائية من تركيا عبر نهري دجلة والفرات السبب الرئيس لجفاف أهوار ميسان وتحولها إلى أراضٍ جرداء قابلة للاشتعال مع تغيّر المناخ.
مشاريع على أنقاض الجفاف
لم يكد الجفاف يعلن انتصاره على مياه الأهوار، حتى سارعت الآلة الصناعية لاستغلال الأرض القاحلة. فقد أبرمت عقود التراخيص النفطية مع شركة “جيو جيد” الصينية لاستثمار حقل الحويزة في عمق الهور، ما أثار جدلًا بيئيًا واسعًا. كما أُنشئت سدّة ترابية على الحدود العراقية – الإيرانية لمنع المرور بعد أن كانت مغمورة بالمياه. وكأن عروق القصب الجاف نذرت نفسها لعرقلة تلك الآلة دفاعًا عن بيئتها.
ويشير حيدر عدنان إلى أن “نسبة مساحات القصب المحترقة في هور الحويزة تجاوزت 90%، والدخان غطى ميسان بشكل شبه كامل. أما الدمار البيئي فيتمثل باحتراق أكثر من 3000 كلم² حتى الآن”. ورغم إدراج الهور على لائحة التراث العالمي عام 2016، فإن ذلك لم يوفر له الحماية، ما جعل ناشطين يعتبرون الإدراج شكليًا، بعدما تخلت المنظمات الدولية عن الدفاع عنه.
حرائق مفتعلة
ناشطون بيئيون يلقون بالمسؤولية على “جهات خفية” يتهمونها بالوقوف وراء الحرائق، مؤكدين أن الدخان ناجم عن حرق غابات القصب الجاف المتبقية بعد جفاف هور الحويزة، من قِبل العاملين على إنشاء الموقع النفطي والسدّة الترابية، لأن القصب يعوق حركة الآليات.
يقول الناشط مرتضى الجنوبي للمنصة إن “السبب الرئيس لانبعاث الدخان هو حرق غابات القصب لتسهيل حركة المركبات. وتقوم بهذا العمل شركات متعاقدة مع شركة جيو جيد النفطية والقوات الأمنية المسؤولة عن السدة الترابية على الحدود. الأمر ليس جديدًا لكن آثاره وصلت بسبب الرياح التي حملت الدخان نحو المدن”.
ورغم مطالبات متكررة من منظمات بيئية لحكومة ميسان بالكشف عن أسباب الحرائق، لم تتحرك الجهات المختصة. وطالبت جمعية “حماة نهر دجلة” – ومقرها بغداد – الحكومة المحلية واللجنة الأمنية بإجابات عاجلة حول ما إذا كانت الحرائق مفتعلة، وما إذا للشركات النفطية أو الأنشطة العسكرية دور فيها، مؤكدة أن “ما يحصل قد يكون جزءًا من خطة لتحويل الأهوار إلى أرض قاحلة، لتسهيل عمليات الاستكشاف النفطي ومد طرق داخلية تحت غطاء (سدّات أمنية)”.
كارثة بيئية وصحية
أسباب احتراق القصب وتعدد مصادر الدخان أفرزت نتيجة واحدة: تلوث بيئي يهدد الإنسان والكائنات الأخرى. ويقول أستاذ التلوث البيئي في جامعة ميسان، د. صالح حسن، إن “انتشار الملوثات الهوائية الكيمياوية في أجواء ميسان له تأثير كبير جدًا على صحة الإنسان والكائنات الحية، خصوصًا في الصيف مع ارتفاع الحرارة”.
أما المراقب الصحي علي عبدالحسين فيوضح أن “مستشفيات ميسان تشهد مراجعة أعداد كبيرة من المواطنين، خصوصًا مرضى الصدرية والتنفسية، نتيجة اختناقهم بالدخان. كما يتجه آخرون إلى العيادات الخاصة والصيدليات للحصول على أجهزة التنفس والإنعاش الرئوي”.
ورغم البيانات الرسمية حول أسباب هذه الانبعاثات، فإن الحلول ما زالت غائبة. ويختم حيدر عدنان بالقول إن “الدخان غطى محافظة ميسان بالكامل تقريبًا، ولو حصل مثل هذا الحدث في بلدان أخرى لكانت طائرات الإطفاء تعمل ليلًا ونهارًا، ولتمت محاسبة المتسببين بشدة”.
المنصة





