خيوط الصبر والأمل.. نساء يواجهن الغلاء بالإبرة والعزيمة

بغداد- موج أياد

في أحد أزقة بغداد القديمة، يعلو صوت الماكنة كأنه أنين حنون يوقظ الذاكرة. تتناثر بكرات الخيوط على الطاولة، وتختلط رائحة القماش الجديد بالشاي العدني الساخن، بينما تمتد الأقمشة على الأرفف في مشهدٍ يعيد ملامح مهنةٍ لم تنطفئ رغم تقلبات الزمن. فمع ارتفاع أسعار الملابس المستوردة وغلاء السوق الذي أثقل كاهل العائلات، بدأت مهنة الخياطة تزدهر من جديد، بثوبٍ محمّل بحكايات الصبر والابتكار.

لم تكن الخياطات في بغداد مجرد نساء يبحثن عن لقمة العيش، بل أصبحن رمزًا للمقاومة الاقتصادية المحلية. فقد أعَدْن الثقة بالمنتج العراقي اليدوي، وأثبتن أن الماكينة العراقية ما زالت قادرة على منافسة البضاعة الأجنبية، بخيطٍ من الإصرار وقطعة قماشٍ من الذاكرة.

على كرسي خشبي صغير، تجلس أم إيهاب أمام ماكنتها التي تعرف ملامحها كما تعرف وجوه أولادها. تبتسم وهي تتحدث عن بداياتها وكأنها تروي فصول عمرها بخيوطٍ ملونة. تقول: “والدي الله يرحمه كان صاحب فندق، وكان يشجعني من وقتها على الخياطة، يجيب لي أقمشة للفندق لحفان ووجوه مخاديد وابدأ أفصل وأخيط. أني مواليد السبعين وبنهاية السبعينات بدأت أتعلم الخياطة بالمدرسة من خلال دروس الاقتصاد المنزلي والفنية، ومن وقتها صارت الخياطة جزء من حياتي.”

تتذكر أم إيهاب فساتين المناسبات التي كانت تخيطها لأخواتها، حين لم يكن هناك هواتف ولا إنترنت، وكل شيء يتم باليد. وحين تزوجت بعمر السابعة عشرة، وكانت لا تزال في الخامس العلمي، أصبحت الخياطة وسيلتها للحياة. “كنت أستخدم ملابسي القديمة، ستر وتنورات المدارس، وأعيد تدويرها لبناتي، لأن ملابس الأطفال كانت غالية ونادرة، فصرت أخيطها بإيدي.”

حين تغيرت الظروف وتقاعد زوجها، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى المهنة لتساعد عائلتها. تقول: “اشتريت بيت وصار عليه دين كبير، فقررت أرجع للخياطة بكل قوتي، بس هالمرة مو بس كحرفة، إنما كتدريس.”

بعد عام 2003 بدأت منظمات المجتمع المدني بإطلاق ورش تدريبية لمساعدة النساء على تعلم مهنٍ تدر عليهن الدخل، وكانت الخياطة إحدى أبرز تلك المهن تحت مسمى “الأسر المنتجة”. تتذكر أم إيهاب تلك الفترة قائلة: “تعرفت على صديقتي أم زهراء وصارت بيناتنه شراكة وفتحنا محل، نعلم النساء الخياطة، أغلبهن أرامل ومطلقات وأسر متعففة وأميات ما يملكن شهادة ولا مصدر دخل. صار عندنا مشروع نغير بيه حياة الناس، نعلم النساء مجانًا مقابل دعم بسيط من الدولة، بس المشروع ما تم. رغم هذا، استمرينا، لأن الخياطة بالنسبة إليّ حياة، مو شغل.”

تبتسم أم إيهاب وهي تنظر حولها إلى محلها الصغير الذي يفيض بضحكات الزبونات وهمسات الماكينات. “اليوم، الناس رجعت تثق بينا أكثر من قبل، لأن الملابس الجاهزة غالية، والملابس المفصلة إلها طابع خاص. بيها روح بغداد، مو بس خيط وإبرة.”

في الزاوية الأخرى من المحل، تعمل أم زهراء، المرأة السبعينية القادمة من الأنبار، بخطى ثابتة وعينين تشعّان خبرةً وحياة. لم تكن الخياطة بالنسبة لها مجرد مهنة، بل سيرة عمرٍ تبدأ من مركز الوليد في الأنبار ولا تزال تُحاك حتى اليوم في أحد أحياء بغداد. تقول بفخر وهي تمرر القماش تحت الماكنة: “إحنا من الأنبار، من أيام مركز الوليد، حصلت أربع شهادات، وشهادة شكر، وكانوا يريدوني أمثّل العراق في البحرين بسبب مهارتي بالخياطة والتفصيل.”

تروي أن موهبتها لم تكن صدفة، فقد تعلمت الخياطة بمختلف أنواعها، من فساتين النساء إلى الفصالات الرجالية وأعمال الأعراس. “أسوي صواني العرس، صينية الحنّة, زفة العروس، وأفصل فساتين الزهور للبنات الصغار، بكل أشكالها.” وتشير بفخر إلى ماكنتها القديمة: “كل هالأجهزة أخذتها من مركز الوليد، هم دعّمونا، جابوا مكائن حديثة من الـ UN، واختارونا أربعة للسفر للبحرين، بس صارت أمور وتغير القرار، وراح غير شخص بدالي، بس ما استسلمت، بقيت أشتغل.”

ورغم كل ما مرّت به من تنقلات وظروف، ظل الخيط الرابط الأقوى في حياتها. “افتخر إني ظلّيت أشتغل بيدي. الخياطة علمتني أوقف، وما أحتاج غير ربي وتعب إيدي.”

وهكذا تلتقي حكاية أم زهراء مع حكاية أم إيهاب، الأولى تحمل خبرة السنين وقصص السفر غير المكتمل، والثانية تُعيد للمهنة نبضها بتعليم النساء وإحياء الورش الصغيرة. كلاهما تشكلان خريطة من الإصرار النسوي في بغداد، حيث تتحول ماكينة الخياطة إلى سلاحٍ ناعم في وجه الغلاء والبضاعة المستوردة واليأس.

في زاوية أخرى من العاصمة، تلمع لافتة صغيرة كتب عليها “خياطة البنفسج”. خلف الواجهة الزجاجية تصطف بكرات الخيوط بألوان ناعمة، وتجلس سوسن، مواليد الثمانينات، منهمكة في ضبط تفاصيل قطعة قماشٍ على الماكنة. تقول بابتسامة تعبٍ ورضا: “فتحت مشروعي قبل تقريبًا سبع سنين، أعرف أخيط من زمان وأحب الخياطة، بس اللي دفعني أفتح المحل مو بس الهواية… الحاجة كانت أكبر. الأولاد كبروا والمصاريف زادت، فصارت الخياطة مصدر عيش، قبل لا تكون مجرد شغف.”

وعلى عكس كثير من الخياطات، ترى سوسن أن البضاعة الأجنبية لم تقضِ على مهنتها بل زادتها حضورًا. “الملابس الجاهزة ما أثرت علينا كثير، الناس تجيب القطع الجاهزة نعدّل بيها، نغيّر التصميم، نرجعها أحلى من الجديد. مرات الزبونة تكول: لو من البداية مفصلتها جان أسهل.”

تؤمن سوسن أن الخياطة مهنة دقيقة تتطلب الصبر والإتقان. “الموضوع مو بس هواية، الخياطة مهنة قبل كل شيء. إذا الواحد ما يعرف يتقن، يخرب القطعة. لازم يعرف قيمة القماش قبل أول غرزة.” وتضحك قائلة: “أول ما فتحت المحل كانت عندي ماكينة قديمة بالبيت، شويه شويه اشتريت مكائن حديثة. تعبت حتى أتعلم عليها، بس فادتني، خصوصًا بالشغل السريع والنظيف.”

خياطة البنفسج ليست مجرد محل، بل مساحة حلم مؤجل. تفكر سوسن بإطلاق علامة خاصة بها. “الزبونات يقولولي ليش ما أسوي ماركة خاصة؟ يعجبهم شغلي ويكولون أنجح، بس المشكلة ما أعرف بالتسويق ولا بالسوشيال ميديا، إن شاء الله فد يوم أحقق هذا الحلم.”

في النهاية، تتشابك خيوط أم إيهاب وأم زهراء وسوسن لتروي حكاية نساءٍ يواجهن الحياة بالإبرة والعزيمة. في كل غرزةٍ من قماش بغداد قصة بقاءٍ وذاكرة، وفي كل ماكينةٍ تعمل ما يشبه نبض المدينة وهي تحيك من جديد خيوطها الممزقة بثوبٍ من الأمل.

المنصة

زر الذهاب إلى الأعلى