الناي … كتبت فرح تركي

الناي
فرح تركي

بعد أسبوع من اليوم سيمرّ على موعد وفاة زوجي خمسة أشهر كاملة ، كنت كل يوم أرى طيفه يمرّ في أرجاء البيت فأستعيد بعضا مني ، فالحياة بعده في عيني استحالت الى ظُلمة دامسة ، فقدت رغبتي في كلّ شيء، أشغل وقتي في النظر الى صورته وأحادثه وكأنه موجود! لكنه كان يجيبني في الحلم فقط، يطلب مني أن أعزف له ! ولا أفهم ما معنى ذلك الطلب، فهو لم يكن عازفا أو موسيقيا ولا أنا ولم نكن نملك أي آلة موسيقية في البيت لا سابقا ولا حاليا ، فقد كان عمله بستانيا في مزرعة أحد الأثرياء القريبة منا وكانت وفاته صدمة كبيرة ليس لي فقط، بل لكلّ من عرفه من الجيران والأصدقاء وحينما استرجع أحداث يوم وفاته أرى أن هناك أمورا كثيرة لا أفهمها!! فأنشغل بالتفكير، الى أن تجفّ دموعي، بعدها يغزوني صداع شديد، لينتهي بي المطاف نائمة، أصحو على صوته من جديد… اعزفي لي يا ثريا.. بحثت عن شيء يصلح للعزف، فلا بيانو ، أو كتيار ولا حتى عود يمكن أن يكون هنا ، شعرت إنه يقصد بالعزف شيئا آخر، فتشت كلّ شيء، وجدت أشياء غريبة ، رسائل، أسلحة، خنجرا لم أره سابقا في حياتي ، ثم فجأة وجدت نايا صغيرا، خشبه قديم جدا وعليه كتابة بلغة لا أفهمها، عندما أمسكته بيدي صدر منه صوت أو ربما هو الوهم … ، لم أر هذا الناي خلال سنوات عمري معه، حاولت تنظيفه، بقطعة قماش، ونجحت في ذلك قرّبته من شفتي ونفخت فيه، لم أكن ماهرة في العزف ولكنها كانت تجربة ، مجرّد تجربة .. توقفت بعدها لاتفقد الصمت، في بيتي وهو الوضع الذي ألفته، كان كل شيء طبيعيا، بعدها بلحظات سمعت طرقا على الباب، تركت الناي في مكانه، وذهبت لأفتح الباب، من ذا يا ترى تذكرني في هذا المكان المنعزل، فكرت بجوعي وتعبي، فانا لم أتناول الطعام منذ الصباح ، فتحت الباب لأرى سلة فيها أطايب من رزق الله، موضوعة أمام الباب. المكان خاوٍ من البشر، أو أي مخلوق ، أخذتها، في البداية بسرعة .. من جلبها؟ وتركها هنا ولكنها كانت هدية من السماء في وقتها فحاجتي لها كبيرة. وهكذا أصبح الناي رفيقا لي بعد أن يضيق صدري كل مرة، أنفخ فيه، فياتيني رزق مختلف، في إحدى المرات سكنت بقربي عائلة وعرفت أنهم ربما تعويض عن الوحشة وسيكونون لي الأنس، قل استعمالي للناي، لكنني عرفت كيف كان زوجي يأتي لنا بالزرق

،

زر الذهاب إلى الأعلى