قاسم فنيش: أكتب لأترك أثرًا في الوجدان... والكلمة الصادقة أقوى من ضجيج الحروب
قاسم فنيش: أكتب لأترك أثرًا في الوجدان… والكلمة الصادقة أقوى من ضجيج الحروب
حوارات مع المبدعين
حاوره: كمال الحجامي
يشقّ الكاتب اللبناني قاسم فنيش طريقه بثبات في المشهد الأدبي العربي، متكئًا على لغةٍ تتسم بالبساطة في ألفاظها، والعمق في دلالاتها، وإيمانٍ راسخ بأن الأدب ليس ترفًا فكريًا، بل رسالة إنسانية قادرة على ملامسة الوجدان وإيقاظ الأسئلة الكبرى. في كتابه الأول «حين خُفيَ القمر»، قدّم نصوصًا تأملية تنبض بالرمزية، وتفتح أمام القارئ فضاءات واسعة للتأويل، بعيدًا عن الإجابات الجاهزة.
يرى فنيش أن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تترك أثرًا يتجاوز حدود اللحظة، وتبقى حاضرة في ذاكرة القارئ، مؤكدًا أن النص الأدبي ينبغي أن يكون مساحة للتفكير والتأمل، لا مجرد وسيلة للسرد أو التعبير. وفي هذا الحوار، يحدثنا عن تجربته الإبداعية، ورؤيته للأدب، وعلاقة الكاتب بالواقع، ودور الكلمة في مواجهة الأزمات.
■ بدايةً، لكل كاتب رؤيته الخاصة وأسلوبه في بناء النص الأدبي وصياغته. ما الذي يميز تجربتك الإبداعية عن غيرها، وكيف تسعى إلى الوصول إلى القارئ؟
قاسم فنيش: أؤمن بأن لكل كاتب بصمته التي لا تشبه سواه، ولذلك أحرص على أن يكون النص صادقًا قبل أن يكون مختلفًا. في كتابي «حين خُفيَ القمر» اعتمدت أسلوبًا تأمليًا يقوم على الرمزية والتكثيف، بما يمنح القارئ مساحة واسعة لتأويل النص وفقًا لتجاربه ومشاعره. أنا لا أكتب لأقدّم إجابات جاهزة، بل لأثير الأسئلة، وأترك أثرًا يدفع القارئ إلى التأمل، وهذا ما أطمح أن يميز تجربتي الأدبية.
■ الرواية تُعدّ مرآةً للمجتمع، وتعكس تحولات الإنسان والواقع. كيف تنظر إلى جماليات السرد الروائي ودوره في التعبير عن الحياة؟
قاسم فنيش: أرى أن جمال الأدب لا يكمن في محاكاة الواقع فحسب، بل في قدرته على ملامسة الإنسان في أعماقه. فالسرد بالنسبة لي ليس مجرد نقل للأحداث، وإنما هو وسيلة لاستثارة التساؤلات، وترك أثرٍ فكري ونفسي لدى القارئ. لذلك أحرص على أن يحمل النص بُعدًا إنسانيًا وتأمليًا، بحيث يجد كل قارئ فيه جزءًا من تجربته الخاصة.
■ الكتابة للطفل تُعد من أكثر الفنون الأدبية حساسية، لما تتطلبه من بساطة وعمق في آنٍ واحد. كيف تنظر إلى هذا اللون من الأدب؟
قاسم فنيش: الكتابة للطفل من أصعب أشكال الكتابة، لأنها تحتاج إلى البساطة من دون تسطيح، وإلى العمق من دون تعقيد. الطفل يستحق أدبًا يحترم عقله، ويغذي خياله، ويزرع فيه القيم الإنسانية النبيلة. ورغم تقديري الكبير لهذا المجال، فإن تجربتي الحالية تتجه بصورة أكبر نحو الأدب التأملي الموجّه إلى القارئ اليافع والبالغ.
■ التراث يمثل ذاكرة الشعوب وركيزة الهوية الثقافية. كيف تنظر إلى دوره في بناء الإنسان وتعزيز الانتماء؟
قاسم فنيش: التراث بالنسبة لي ليس مجرد ماضٍ نحتفظ به، بل هو امتدادٌ للمستقبل، لأنه يحفظ قيم المجتمع وثقافته عبر الأجيال. وأرى أن للأدب دورًا محوريًا في إحياء هذا الإرث بروح معاصرة، تحافظ على أصالته وتمنحه قدرةً على مواصلة التأثير.
■ يعيش لبنان ظروفًا استثنائية على مختلف المستويات، ومع ذلك ما زالت الحركة الثقافية حاضرة. كيف تقرأ دور الأدب في مواجهة هذه التحديات؟
قاسم فنيش: رغم الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، ما زالت هناك ملتقيات ومبادرات ثقافية تؤمن بأن الكلمة قادرة على حماية الوعي وبعث الأمل. أما أنا، فأؤمن بأن مهمة الكاتب لا تقتصر على نقل الألم، بل تتعدى ذلك إلى منحه معنى إنسانيًا. ولعل كتابي الأول «حين خُفيَ القمر» خير دليل على أن الثقافة فعل حياة؛ فقد كُتبت بعض نصوصه في ظل الحرب وتحت القصف، لتؤكد أن الإبداع قادر على أن يولد حتى في أكثر اللحظات قسوة.
■ كيف تحافظ على خصوصية صوتك الأدبي بعيدًا عن التقليد والاستنساخ في ظل تعدد المدارس والأساليب؟
قاسم فنيش: لكل كاتب صوته الخاص، ولذلك لا أسعى إلى تقليد أحد، بل إلى التعبير عن رؤيتي وتجربتي الإنسانية بأسلوب يعكس إحساسي. قد تتقاطع الموضوعات بين الكتّاب، لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في طريقة تناولها. وما أحرص عليه دائمًا هو أن تكون كتابتي صادقة، وأن تحمل بصمتي الخاصة، مع ترك مساحة للقارئ كي يشارك في صناعة المعنى من خلال التأمل.
■ في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتقلبة، كيف تواصل مشروعك الأدبي والثقافي؟
قاسم فنيش: الظروف الصعبة لا ينبغي أن تكون سببًا في إسكات الكلمة، بل دافعًا إلى استمرارها. لذلك أواصل الكتابة بما أستطيع، لأن الأدب بالنسبة لي رسالة قبل أن يكون هواية، ومسؤولية تجاه الإنسان والحياة.
ختام الحوار
في ختام هذا اللقاء، يتجلى إيمان الكاتب اللبناني قاسم فنيش بأن الأدب الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات أو حجم الانتشار، بل بقدرته على البقاء حيًا في وجدان القارئ. ومن خلال مشروعه الأدبي، يسعى إلى بناء هوية إبداعية تستند إلى الصدق والعمق، وتؤكد أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تنتصر على الحرب، وأن تضيء العتمة، حتى حين يختفي القمر.





