بين أساطيل التاهو وأساطيل البحار تتحدد هيبة الدولة
د. عدنان الشريفي
لا تُقاس عظمة الأمم بضجيج مواكب مسؤوليها، ولا بحجم العمولات في جيوب قادتها، بل بما تتركه القيادات من أثر في وجدان شعوبها وقوة في ترسانة بلادها. إن المشهد الراهن يضعنا أمام مفارقة صارخة في فلسفة السلطة؛ حيث ينقسم القادة إلى فئتين: فئة سخرت مقدرات الأوطان لصناعة هيبة الدولة، وفئة سخرت الدولة لصناعة هيبة الأشخاص. بينما انشغل البعض في ملاحقة بريق الاستثمارات الشخصية ونهب مقدرات الدولة ، نجد في الجانب الآخر قيادة وجهت بوصلة ثرواتها نحو التصنيع الحربي والمنظومات الصاروخية. هؤلاء لم يبيعوا موانئ بلادهم في صفقات مشبوهة، بل جعلوا من جغرافيا بلادهم حصناً منيعاً مرّغ أنوف الطغاة، وصنعوا من أرضهم قاعدة لصناعات قوّمت ميزان القوى. فوالله، لو أنَّ ما يُنفق سنوياً على مواكب الحمايات المترفة والقصور والمصفحات والتي تملأ شوارعنا استعراضاً بالنفوذ، وجُمعت ووُجهت نحو التكنولوجيا العسكرية، لكفتنا لبناء مجمعات للمسيّرات الذكية التي تُعيد رسم قواعد الاشتباك وبنت مدن ذكيه لاحتضان المخترعين واستخدام الذكاء الاصطناعي. إننا أمام مفارقة مُرة؛ بلد يملك مقومات أن يكون قطباً صناعياً مهاباً، لكن إرادته السياسية رهينة مواكب لا تحمي وطناً، بل تحمي أصحابها من غضب شارع بات يرى كيف تتبخر أحلامه بأبهة المواكب.
إن الفارق بين أسطول من سيارات التاهو المظللة التي تستعرض على الفقراء، وبين أساطيل تجوب البحار لحماية السيادة، هو الفارق بين الزعامة الهشة والقيادة الحقيقية. القائد الحقيقي هو من يرى أن أمن بلاده يبدأ من الاكتفاء الذاتي والتصنيع العسكري، ورفاه المواطن ، لا من استرضاء القوى الكبرى وبعثرت ثروات الشعب على نزوات عابرة.
لقد تجلى الفرق في أبهى صوره حين رأينا قادة قدموا أجسادهم دروعاً لمبادئهم، مقابل زعامات تهتز عروشها أمام تغريدة، وتصمت أمام قتل أبنائها، وتنشغل بحصتها من غنيمة الحكومة، تاركة خلفها بلداً منهكاً وضياعاً لفرص النهوض. إن الشعوب اليوم باتت تدرك أن القائد الذي يعيش في الميدان بين صواريخه وأساطيله، أصدق ألف مرة ممن يعيش في برجه العاجي خلف مواكبه المذهبة. التاريخ لا يكتب أسماء من اشتروا الولاءات، بل يخلد من صنعوا لأوطانهم سيفاً ودرعاً، ولم يفرطوا في ذرة حق سيادي أو ميناء، فالهيبة ليست في المواكب، بل في قوة القرار والقدرة على حماية التراب والسيادة.





