بلد المليون عطلة: حين تتحول الدولة إلى إجازة مفتوحة
بقلم//الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش العامري
في العراق، لم تعد العطلة استثناءً يُمنح لالتقاط الأنفاس او الترفيه او التمتع بجمال الطبيعه ، بل تحوّلت إلى قاعدة تُبنى عليها حياة كاملة. كأن الدولة، بكل مؤسساتها، تعيش في استراحة طويلة، تتخللها فترات عمل قصيرة متقطعة، لا تكاد تُذكر.
حين أنظر حولي، لا أرى دولة تُدار وفق إيقاع إنتاجي واضح، بل أرى تقويمًا مثقوبًا بالعطل، حتى بات الموظف والطالب على حد سواء، يعيش حالة انتظار دائم: متى تأتي العطلة القادمة؟ لا ماذا سننجز اليوم؟
في دول العالم، سواء المتقدمة أو حتى المتخلفه، تلك التي تعاني اقتصاديًا، تُقاس قوة الدولة بقدرتها على إدارة الوقت، وتنظيم العمل، وتعظيم الإنتاج. أما في العراق، فقد أصبح الوقت نفسه ضحية، تُبدده قرارات تعطيل لا تنتهي، بعضها مبرر، وأكثرها قابل للنقاش، وكثير منها بلا أي ضرورة حقيقية.
فقد تعطى العطلع لان لاعب في المنتخب طلب ذلك من المسؤول !!! أنواع العطل في العراق: تقويم مثقل بالتوقف
إذا أردنا أن نفهم حجم المشكلة، علينا أن نستعرض طبيعة العطل التي تكاد تملأ السنة:
العطل الدينية:
تمتد على مدار العام، وتشمل:
عطلة عيد الفطر (غالبًا ما تتحول من 3 أيام إلى أسبوع أو١٠ ايام أكثر)
عطلة عيد الأضحى (تمتد أحيانًا إلى 7–10 أيام)وربما اكثر
عاشوراء
الأربعينية
المولد النبوي
مناسبات أخرى مختلفة
العطل الوطنية والرسمية:
اليوم الوطني
ذكرى تأسيس الدولة
أعياد سياسية أو مناسبات حكومية
العطل الطارئة (الاجتهادية):
سوء الأحوال الجوية (أمطار، غبار، حرارة)
أحداث رياضية (فوز منتخب أو مباراة مهمة!)
زيارات رسمية أو مناسبات محلية وضع امني طارئ
حتى أحيانًا “الاستباق” بعطلة لمجرد توقع ظرف!ربما لن يحصل ..
عطل غير معلنة (مقنّعة):
غياب جماعي أو فردي بلا محاسبة
دوام شكلي بلا إنتاج
إدارات تغلق أبوابها مبكرًا ليس للوقت من ثمن رغم انه اغلى شئ في الوجود!!
التعليم… أول الضحايا
المدارس في العراق أصبحت تعيش أزمة حقيقية. الطالب لا يكمل نصف المنهج، بسبب العطل واهمال المدارس والمدرسين !! لا بسبب صعوبة المادة، بل بسبب غياب الاستمرارية.
المعلم، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في بناء الجيل، يجد نفسه أحيانًا جزءًا من هذا الخلل، فيكتفي بعبارات مثل:
“اقرأوا هذا الفصل… وذاك الفصل”
وكأن دوره تحوّل من مُعلّم إلى مُشير.
أما الإدارات التربوية، فغالبًا ما تتعامل مع العطل كأمر واقع لا يمكن تغييره، فتتراكم الأيام، ويضيع الوقت، ويخرج جيل بنصف معرفة، ونصف مهارة، ونصف مستقبل.
اقتصاد ريعي… يُغذي الكسل المؤسسي
السبب الأعمق لا يكمن فقط في كثرة العطل، بل في طبيعة الاقتصاد نفسه.
حين تعتمد الدولة على مورد واحد مثل النفط، كما هو الحال في العراق، فإنها لا تشعر بالحاجة الملحة لتعظيم الإنتاج الداخلي.
النفط يُصدّر، والأموال تتدفق، والرواتب تُدفع…
فتغيب الحاجة إلى الانضباط، ويُستبدل مفهوم “الإنتاج” بمفهوم “التوزيع”.
وهنا تتحول العطلة من حق طبيعي إلى أداة لشراء الصمت، ووسيلة لامتصاص الغضب، ،،بدل أن تكون استراحة مستحقة بعد جهد.استوقفني حادث في عطلة فوز المنتخب في مباراته الاخيره حينما رأيت معاناة بعض المرضى في احدى المستشفيات يشتكون من انهم ينتظرون دورهم في اجراء العمليات فقررت الحكومه عند الساعه الثامنه اعطاء عطله يوميين واذا بالاطباء يتركون المرضى بحجة ان اليوم اصبح عطله ونسوا ان المريض قد هيئ نفسه نفسيا وجاء بدون فطور مع عمل فحوصات واشعات وما الى ذلك ليتفاجئ بالتأجيل والمؤلم ان التأجيل ليس لليوم التالي للعطله وانما لاخذ موعد جديد ربما بعد اسبوع او شهر ،،
حين يصبح التعطيل ثقافة
الأخطر من كل ذلك، أن العطلة لم تعد قرارًا حكوميًا فقط، بل تحولت إلى ثقافة مجتمعية:
الناس تفرح بالغيوم لا لأنها تبشر بالمطر… بل لأنها قد تعني عطلة!
فوز فريق رياضي قد يتحول إلى توقف عام!
أي مناسبة قابلة لأن تكون سببًا لتعطيل شامل
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية:
حين يتعود المجتمع على التوقف، يفقد قدرته على الاستمرار.فمتى سنكون دوله منتجه وشعب منتج كما الدول التي تأكل من انتاجها لماذا نبقى شعب ينتظر ما يجود عليه الاخرين وتكون الازمه الداخليه بمزاج الاخرين ان رضخنا لهم اطعمونا وان ثرنا لكرامتنا اذلونا !!
الخلاصة: دولة تحتاج إلى إعادة تعريف العمل
المشكلة ليست في وجود العطل… بل في الإفراط بها، وسوء إدارتها، وغياب التوازن بينها وبين الإنتاج.
الدولة التي تريد أن تتقدم، لا يمكن أن تعيش بعقلية “العطلة أولًا”.
ولا يمكن أن تبني تعليمًا، أو اقتصادًا، أو وعيًا، في ظل تقويم يُفرغ الأيام من معناها.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء العطل… بل إلى إعادة تعريفها:
أن تكون استراحة بعد إنجاز، لا بديلاً عنه.
أن تكون حقًا منظّمًا، لا فوضى مفتوحة.
وإلا… سنبقى فعلًا، كما يُقال،
بلد المليون عطلة… ونصف إنجاز.وربما نحتاج برلمان جدي غير معطل والى حكومه تعي انها تقود دوله كان يشار اليها بالبنان على طول التأريخ !!!!





