هدنة الـ 45 يوماً: مهلة لإنقاذ الشرق الأوسط… أم تأجيل للانفجار؟
ناجي الغزي/كاتب وسياسي
مع اقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يدخل الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية تتجاوز كونها أزمة عسكرية تقليدية، لتتحول إلى لحظة اختبار استراتيجي لمستقبل النظام الإقليمي. فالمعادلة لم تعد محصورة في احتواء التصعيد، بل باتت تدور حول خيارين متناقضين: إما إعادة هندسة التوازنات عبر تسوية كبرى، أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة تعيد رسم خرائط القوة في المنطقة.
في هذا السياق، يبرز مقترح “هدنة الـ 45 يوماً” الذي كشفه باراك رافيد عبر Axios وتداولته رويترز، بوصفه أداة لإدارة الأزمة ضمن سقف زمني محدود، وليس كحل نهائي للصراع. فالهدنة المطروحة تمثل إطاراً انتقالياً لإعادة ترتيب موازين القوة وفتح مسارات تفاوضية تحت الضغط، أكثر من كونها مدخلاً فعلياً لإنهاء الحرب.
وعليه، فإن فهم طبيعة هذه المبادرة يتطلب تفكيكها ضمن سياقها الأوسع، حيث تتداخل الضغوط العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، وتُستخدم التهدئة المؤقتة كوسيلة لإعادة التموضع الاستراتيجي. ومن هنا، سنقوم بتحليل هذا المشهد عبر ثلاثة محاور رئيسية، لفهم دينامياته العميقة واحتمالات مساره خلال المرحلة القادمة.
*أولاً: الهدنة كأداة لإعادة هندسة الصراع*
لا يمكن مقاربة الهدنة المقترحة ضمن الإطار التقليدي لوقف العمليات القتالية، بل ينبغي فهمها كأداة ضمن منطق إدارة الصراع وإعادة تشكيل توازناته تحت الضغط العسكري. فهي لا تمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما تشكّل حيزاً زمنياً مشروطاً يُستخدم لتجميد التصعيد مرحلياً، بالتوازي مع فتح ملفات استراتيجية معقّدة وفرض معادلات جديدة تمهيداً لأي تسوية لاحقة.
بهذا المعنى، تتحول الهدنة إلى آلية لإعادة توزيع عناصر القوة بين الأطراف، حيث يُعاد ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية خلال فترة التهدئة، بما يتيح لكل طرف تحسين موقعه التفاوضي قبل الدخول في المرحلة الحاسمة.
وعليه، فإن الهدنة لا تعكس نهاية للحرب، بل تشير إلى انتقالها من طور المواجهة المباشرة إلى طور الصراع المُدار، حيث تستبدل الأدوات العسكرية المباشرة بأدوات الضغط السياسي والتفاوضي، دون أن يعني ذلك تراجعاً حقيقياً في جوهر الصراع.
*ثانياً: خطة إسلام آباد*
دخول باكستان بثقلها العسكري والسياسي، عبر دور محوري يُنسب إلى قائد الجيش “عاصم منير” يكشف تحولاً نوعياً في طبيعة الوساطة. لم تعد الوساطة مجرد نقل رسائل، بل محاولة لبناء “ضمانات ميدانية” في ظل انعدام الثقة، حيث يجري التنسيق مع جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، وعباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. وهذا يعني أن إسلام آباد لا تسعى فقط لتقريب وجهات النظر، بل لتصبح مركزاً تنفيذياً لاتفاق محتمل، لا مجرد وسيط دبلوماسي.
الخطة المطروحة، خاصة في شقها الباكستاني، تعتمد على صيغة خطيرة، إيران تقدم ضبط برنامجها النووي، وضمان أمن مضيق هرمز. مقابل رفع شامل للعقوبات، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. هذه ليست صفقة جزئية، بل رهان وجودي: يتطلب التخلي عن أدوات القوة مقابل النجاة الاقتصادية، لكن المشكلة أن هذا النوع من الصفقات يحتاج إلى ثقة غير موجودة أصلاً.
أما الرد الإيراني…كما نقلته وكالة إرنا، يكشف قراءة مختلفة تماماً: رفض تفكيك القوة تحت الضغط، أي يعني رفض وقف إطلاق نار مؤقت، والإصرار على إنهاء الحرب بشكل دائم، وربط أي اتفاق برفع العقوبات، وإعادة الإعمار، ورسم بروتوكول منظم لمرور السفن في هرمز. هذا الرد يعكس مبدأ استراتيجي واضح: لا تنازل عن أوراق القوة مقابل وعود مؤقتة، لأن التخلي عن هرمز يعني خسارة ورقة الضغط الاقتصادي، والتخلي عن النووي يعني خسارة ورقة الردع. وهذا يعني الدخول في أي اتفاق من موقع ضعف وليس من موقع قوة.
ثالثاً: أزمة الثقة: العقدة الاستراتيجية في مسار الصراع
جميع المبادرات المطروحة تصطدم بعائق بنيوي يتمثل في انعدام الثقة المتبادل، وهو عامل لا يُعد تفصيلاً تفاوضياً، بل محدداً رئيسياً لسلوك الأطراف. فقد كرّست تجارب الصراع في غزة ولبنان إدراكاً إيرانياً مفاده أن اتفاقات وقف إطلاق النار غالباً ما تُستخدم كأدوات تكتيكية لإعادة التموضع وليس كنقطة انتقال نحو تسويات دائمة.
في المقابل، تنطلق الرؤية الأمريكية من فرضية مغايرة تعتبر أن أي اتفاق لا يتضمن قيوداً صارمة على القدرات الإيرانية سيؤدي إلى إعادة إنتاج التهديد بشكل أكثر تعقيداً في المستقبل.
وبهذا يتحول المسار التفاوضي من كونه عملية لتحقيق تقارب في المصالح إلى آلية لإدارة المخاطر المتبادلة بين طرفين يتعامل كل منهما مع الآخر باعتباره تهديداً استراتيجياً قائماً.
ضمن هذا السياق، فإن أي هدنة محتملة بما فيها هدنة الـ 45 يوماً لا يمكن تقييمها كحل نهائي، بل كمرحلة اختبار عملياتي لثلاثة متغيرات حاسمة:
1. إمكانية بناء حد أدنى من الثقة التراكمية عبر إجراءات تدريجية قابلة للتحقق.
2. مدى التزام الأطراف بضبط السلوك العسكري ومنع الانزلاق نحو التصعيد خلال فترة التهدئة.
3. قابلية تحويل التهدئة المؤقتة إلى إطار تفاوضي مستدام يفضي إلى اتفاق طويل الأمد.
غير أن المخاطر الكامنة تكمن في احتمال توظيف هذه الهدنة كنافذة لإعادة التموضع الاستراتيجي، سواء عبر تعزيز القدرات العسكرية أو إعادة ترتيب مسار العمليات، بما يمهد لعودة الصراع بوتيرة أعلى وحدّة أكبر.
وعليه، فإن الهدنة في جوهرها لا تمثل نهاية للأزمة، بل أداة لإدارة مرحلة انتقالية عالية الخطورة قد تقود إما إلى مسار احتواء تدريجي، أو إلى تصعيد أكثر شمولاً.





