مضيق هرمز بين القوة وصراع الإرادات في مجلس الأمن

 

 

ناجي الغزي/كاتب وسياسي

لا يعكس تأجيل التصويت داخل مجلس الأمن الدولي مجرد إجراء إداري عابر، بل يكشف عن حالة احتدام سياسي تختبر تماسك النظام الدولي في واحدة من أكثر نقاطه حساسية، وهي مضيق هرمز. فالقضية المطروحة لم تعد محصورة في نص قرار أو توقيت جلسة، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول من يملك حق إضفاء الشرعية على استخدام القوة في هذا الممر الحيوي.

ورغم أن كثيراً من تفاصيل المشهد ما تزال تتحرك في إطار التسريبات والتقديرات الدبلوماسية، إلا أن الاتجاه العام واضح: صراع بين إرادات دولية كبرى تحاول إعادة رسم حدود القوة تحت مظلة القانون الدولي، في لحظة تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع الاعتبارات القانونية، وتقترب فيها المنطقة من مفترق بالغ الخطورة..

*أهمية مضيق هرمز في المعادلة*

لا يُختزل مضيق هرمز في كونه ممراً مائياً عابراً، بل يمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد. فهو الشريان الذي يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق الدولية. وفي الوقت نفسه، يشكّل أداة ضغط بيد إيران ضمن معادلة الردع الإقليمي، حيث يتحول التحكم به إلى ورقة قوة في مواجهة الخصوم.

كما أن المضيق يمثل خط تماس مباشر بين الأمن العسكري والاقتصاد العالمي، بحيث إن أي اضطراب فيه لا يبقى محصوراً جغرافياً، بل يمتد تأثيره إلى النظام الدولي بأكمله. ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض فتحه بالقوة تعني الانتقال من مرحلة “الردع المتبادل” إلى “مواجهة مفتوحة متعددة الأطراف”، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع تداعيات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.

*تأجيل محسوب وصراع مكتوم*

لا يمكن التعامل مع تأجيل التصويت على المشروع الذي قدمته البحرين بشأن مضيق هرمز بوصفه إجراءً بروتوكولياً عابراً، بل هو انعكاس مباشر لحالة الانقسام العميق داخل مجلس الأمن الدولي. فغياب التوافق، وعدم توافر كتلة تصويتية كافية، يفرضان منطق كسب الوقت، إما لإعادة صياغة القرار أو لتخفيف مضامينه. وعليه، فإن التأجيل لا يعبّر عن تسوية، بل عن “تجميد مؤقت للصراع” بانتظار إعادة ترتيب موازين القوى داخل المجلس.

 

وفي هذا الإطار، يظل أي قرار يجيز استخدام القوة مرهوناً بموافقة الدول دائمة العضوية، وهنا تتجلى المعضلة البنيوية. إذ ترى روسيا والصين في إيران ركناً في توازن استراتيجي يحدّ من الهيمنة الأمريكية، بينما تتبنى فرنسا مقاربة أكثر حذراً، خشية الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط بلا أفق سياسي واضح. لذلك، فإن أي مشروع قرار يتضمن تفويضاً عسكرياً ضد إيران يبدو عملياً فاقداً لفرص الحياة السياسية حتى قبل لحظة التصويت.

 

 

*لماذا عارضت القوى الثلاث؟*

 

لا يمكن تفسير موقف القوى الكبرى داخل مجلس الأمن الدولي لاعتبارات أخلاقية أو قانونية فقط، بل تحكمه حسابات استراتيجية دقيقة ترتبط بمصالحها المباشرة في المنطقة والنظام الدولي:

 

1- روسيا: ترى في أي تصعيد عسكري فرصة غير مباشرة لتعزيز موقعها، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى مكاسب اقتصادية، كما أن انخراط الولايات المتحدة في مواجهة جديدة يساهم في استنزاف نفوذها وإشغالها عن ساحات أخرى.

 

2- الصين: تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وتخشى أن يؤدي عسكرة مضيق هرمز إلى تهديد خطوط إمدادها الحيوية. كما ترفض مبدأ تحويل الممرات التجارية إلى ساحات صراع، خاصة في ظل مشروعها الاستراتيجي “الحزام والطريق”.

 

3- فرنسا: تتبنى مقاربة أكثر حذراً، إذ تخشى أن يؤدي أي تفويض باستخدام القوة إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، وتسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على دور سياسي كوسيط، بدلاً من الانخراط كطرف مباشر في الحرب.

فالمعارضة هنا ليست موقفاً موحداً في الدوافع، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: هي تجنب فتح باب حرب غير محسوبة في مضيق هرمز قد تعيد تشكيل التوازنات الدولية بشكل يصعب التحكم به.

 

 

*هل العالم مستعد لمنح غطاء أممي لحرب في هرمز؟*

 

الجواب المختصر هو: (لا) فتمرير تفويض باستخدام القوة ضد إيران في مضيق هرمز يعني فتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة، يبدأ باحتمال اندلاع حرب إقليمية واسعة، ويمتد إلى تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية، وينتهي بكسر قواعد الاشتباك التي استقرت لعقود في هذا الممر الحيوي.

 

لكن هذا الرفض ليس مطلقاً. إذ يمكن أن يتغير الموقف الدولي إذا تم إغلاق المضيق بشكل كامل، أو إذا تعرضت الملاحة الدولية لهجمات واسعة وموثقة تُنسب بوضوح إلى إيران. عندها فقط قد يتحول الرفض إلى قبول، تحت ضغط الضرورة. أما في المرحلة الحالية، فما يزال المشهد يتحرك ضمن “منطقة الضغط دون الانفجار”.

ما يجري اليوم لا يعكس مجرد خلاف داخل مجلس الأمن الدولي، بل يكشف عن صراع أعمق على شكل النظام الدولي نفسه، حيث تسعى دول الخليج إلى ضمان تدفق الطاقة بأي ثمن، بينما توظف إيران موقعها الجغرافي كأداة ردع، في حين تحاول القوى الكبرى منع الانفجار دون أن تقدم مخرجاً حقيقياً للأزمة.

غير أن المعضلة الكبرى تبرز في حال فشل المسار الأممي، حيث يعود السؤال: هل ستتشكل تحالفات خارج هذا الإطار؟ ومن سيقود هذه التحالفات؟ وما هو سقف التصعيد الذي يمكن أن تبلغه؟

زر الذهاب إلى الأعلى