زيلينسكي يطرق أبواب الخليج: شريك أم تاجر أزمات؟

 

ناجي الغزي/كاتب وسياسي

زيارة زيلينسكي إلى الخليج لا يمكن قراءتها بوصفها جولة دبلوماسية تقليدية، بل هي محاولة لإعادة تعريف موقع أوكرانيا في النظام الأمني العالمي، عبر ربط حربها مع روسيا بتهديدات الشرق الأوسط، خصوصاً إيران. هذا الربط ليس بريئاً، بل هو جوهر العرض السياسي الأمني الذي جاء به زيلينسكي إلى الدوحة والرياض وأبوظبي.

 

*أولاً: زيلينسكي تاجر حرب*

 

زيلينسكي يحاول القفز بأوكرانيا من موقع المتلقي للدعم إلى موقع مزود الأمن. الفكرة المركزية الذي اعتمد عليها خطابه، نحن لا نحارب روسيا فقط، بل نفهم أدواتها وشركاءها… ويمكننا نقل هذه الخبرة إليكم. هنا، تتحول أوكرانيا إلى ما يشبه مختبر حرب ينتج حلولاً سريعة، مثل الطائرات الاعتراضية منخفضة الكلفة لمواجهة المسيرات الإيرانية. لكن هذا التحول يطرح إشكالية عميقة: هل يمكن لدولة ما زالت تقاتل من أجل بقائها أن تتحول فعلاً إلى مزود أمني موثوق لدول تعاني التهديد وعدم الاستقرار؟ وهل قادر زيلينسكي على اقناع او خداع حكام الخليج وحلب أموالهم؟

 

*ثانياً: توظيف الخطر الروسي الإيراني كأداة تسويق*

 

اتهام زيلينسكي الى فلاديمير بوتين بتقديم إحداثيات لإيران بغض النظر عن دقته، ولكنه يخدم هدفاً استراتيجياً واضحاً هو: خلق تهديد مركب ناتج من (روسيا وإيران)، وتوسيع ساحة الحرب الأوكرانية ذهنياً إلى الخليج، وإقناع الخليج أن أمنه مرتبط مباشرة بنتيجة حرب أوكرانيا. بهذا، لم يعد الصراع محصوراً في أوروبا الشرقية، بل يُعاد تقديمه كجزء من معركة عالمية واحدة.

 

*ثالثاً: الاقتصاد السياسي للسلاح الرخيص*

 

العرض الأوكراني لدول الخليج ليس مجرد سلاح، بل نموذج حرب جديد: سلاح رخيص بسعر (2000–2500 دولار)، وإنتاج طائرات سريعة (ألف طائرة يومياً)، يقدم فعالية بديلة ضد تهديد مكلف مثل (مسيرات إيرانية)

هذا يخلق معادلة مغرية للخليج: كلفة منخفضة مقابل حماية عالية. لكن هنا تكمن المفارقة:

هذه الأنظمة صُممت لحرب استنزاف مفتوحة، وليس لحماية بنية تحتية استراتيجية ضخمة مثل منشآت النفط أو القواعد الجوية الكبرى.

 

*رابعاً: لماذا لا تعتمد واشنطن على أوكرانيا؟*

 

لماذا لا تعتمد الولايات المتحدة على المسيّرات الأوكرانية التي يروّج لها زيلينسكي في الخليج؟

الإجابة تكمن في اختلاف وظيفة السلاح ومنطق القوة بين الطرفين. المسيّرات الأوكرانية (FPV الاعتراضية) صُممت لبيئة محددة، كحرب استنزاف وجبهات مفتوحة وأهداف قريبة ومنخفضة الكلفة. بينما واشنطن تدير حماية قواعد استراتيجية، ودفاع ضد صواريخ باليستية وكروز، وتهديدات متعددة الطبقات فضلاً عن ذلك:

 

1- مسألة الثقة الاستراتيجية: ترامب الذي سخر ويسخر من زيلينسكي وعدم احترامه له، لا يمكن أن يفوض أمن قواعد الولايات المتحدة، لدولة تعتمد هي نفسها على الدعم الأمريكي، ولا تملك استقلالاً تكنولوجياً كاملاً.

2- فجوة المستوى العسكري: هناك فرق بين اعتراض مسيرات في جبهة مفتوحة، وحماية قواعد معقدة ضد صواريخ باليستية وهجمات مركبة.

3- احتكار التكنولوجيا: واشنطن تفضل إبقاء منظومات مثل نظام صواريخ باتريوت وثاد، ضمن منظومتها أو حلفائها المباشرين، وليس عبر وسيط.

 

*خامساً: هل يخدع زيلينسكي دول الخليج؟*

 

الإجابة ليست (بنعم أو لا)، بل أكثر تعقيداً، ما يقدمه زيلينسكي ربما حقيقي نتيجة: خبرة ميدانية متقدمة في حرب المسيرات، وحلول منخفضة الكلفة، وفهم تكتيكي لأساليب روسيا ومسيرات إيران. أما ما يبالغ فيه زيلينسكي هو: قدرته على توفير مظلة أمنية شاملة، وتحويل التكتيك إلى استراتيجية دفاعية كاملة، وتصوير أوكرانيا كبديل للمنظومة الغربية، هو لا يكتفي بإعادة تسويق الحقيقة، بل يضخمها عمداً إلى حد يلامس التضليل، محولاً الخبرة الميدانية إلى سلعة تُباع تحت ضغط الخوف.

 

*سادساً: الخليج بين البراغماتية وحدود الوهم*

 

تدرك دول الخليج أن المظلة الأمنية المخرومة التي توفرها الولايات المتحدة لا يمكن استبدالها في المدى المنظور، لأسباب سياسية أمنية واقتصادية. ومع ذلك، فإن تجربة الحرب الامريكية الإيرانية، واستهداف القواعد الامريكية في دول الخليج، وما رافقها من ضعف وخذلان في الالتزام الأمريكي، دفعت هذه الدول للبحث عن هامش مناورة أوسع، يخفف من الاعتماد المطلق دون أن يغامر بفك الارتباط.

وهذا ما تؤكده زيارة زيلينسكي، والانفتاح على عروض أوكرانيا كخيار براغماتي يهدف إلى بناء طبقات دفاع إضافية منخفضة الكلفة، خصوصاً في مواجهة تهديدات غير تقليدية. غير أن هذا التوجه يحمل في داخله مفارقة دقيقة: فالسعي إلى تنويع مصادر الأمن بالشراكة مع أوكرانيا المنهكة عسكرياً واقتصادياً، تعتبر نوع من السذاجة والمبالغة في تقدير قدرات الشركاء الجدد.

لذلك، فإن أي تعاون محتمل مع كييف لن يشكل بديلاً عن المظلة الأمريكية، بل انزلاق براغماتي محسوب لسد فجوات استراتيجية عميقة.

 

 

*سابعاً: ما الذي يريده زيلينسكي؟*

 

لا يسعى زيلينسكي فقط إلى بيع طائرات مسيّرة أو حلول دفاعية منخفضة الكلفة، بل يعمل على ما هو أبعد من ذلك: تدويل حرب أوكرانيا، وتحويلها إلى جزء من صراع على مستوى النظام الدولي، وجعل الخليج أحد مصادر التمويل غير المباشر لصمودها في مواجهة روسيا. في المقابل، تتعامل دول الخليج مع هذا الطرح بقدر من البراغماتية الحذرة، فهي تشتري ما يفيدها تكتيكياً، دون أن تنخرط بالكامل في الرواية التي يحاول تسويقها.

 

ومع ذلك، فإن خطاب زيلينسكي لا يخلو من النفاق على بوتين والمبالغة التي تصل أحياناً إلى حدود التضليل، إذ يعيد تقديم نفسه كشريك أمني قادر على سد فجوات حساسة، بل وأحياناً كبديل ضمني لمنظومات أكثر تعقيداً. لكن المسألة لا تُختزل في فكرة الخداع المباشر، بقدر ما تعكس محاولة ذكية لإعادة توظيف الخوف وتحويله إلى فرصة سياسية اقتصادية. من أجل حصد مئات المليارات، وفتح سوق سلاح جديد، وترسيخ موقع أوكرانيا كشريك أمني ثانوي، وربط جزء من معادلة أمن الخليج بمسار الحرب. غير أن السقف الحقيقي لهذه التحركات سيبقى مرهوناً بإرادة الولايات المتحدة، التي لاتريد منافس لسوق سلاحها في الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى